Site icon مجلة المنارة

المراقبة الإدارية للشؤون المالية للجماعات الترابية

المراقبة الإدارية للشؤون المالية للجماعات الترابية

Le contrôle administratif des affaires financières des collectivités territoriales

هشام بلدي

إطار بوزارة الداخلية         

باحث في القانون العام،

جامعة عبد المالك السعدي، طنجة

ملخص:

تحتاج الجماعات الترابية للقيام بالوظائف والمهام المنوطة بها في مختلف الميادين إلى موارد مالية ثابتة، تضمن لها أداء أدوارها المتنوعة على المستوى المحلي. ولا شك أنه كلما زادت تلك الموارد، وحسب استخدامها وإنفاقها، زادت فعالية الجماعات المحلية، وأمكنها ذلك من تلبية حاجات السكان المتزايدة. ومن ضمان هذه الفعالية، تخضع المالية المحلية بالمغرب لتأطير ومراقبة الدولة، بما يسمى المراقبة الإدارية للشؤون المالية تنصب بضفة أساسية عليها من الإعداد إلى التصفية. إن المراقبة الإدارية للشؤون المالية للجماعات الترابية هدفها المبدئي هو الحفاظ على المال العام الترابي، وصرفه على الوجه الأمثل يمكن أن تعمل من خلالها على ضمان التنفيذ السليم للسياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية بالجماعات الترابية وكذا ضمان احترام القوانين والمساطر المالية.

summary

Territorial authorities need resources to carry out the functions and tasks assigned to them in various fields to financial stability. This is to ensure the ability to perform their various roles locally. There is no doubt that the more resources are increased according to their use and expenditure, the more effective the local authorities will be This will surely help to meet the society needs and expectations.

To ensure such effectiveness, local authorities’ finances are subject to supervision and control of the state. This is called the administrative control of financial affairs that its primary focus from set up to clearance. The main objective of the administrative control of the financial affairs of the territorial authorities is to safeguard the public funds and spend it in an optimal manner to ensure the proper implementation of the financial, economic and social policies of the territorial authorities as well as the respect of financial laws and procedures.

الكلمات المفاتيح:

الجماعات الترابية- المالية المحلية -المال العام الترابي- المراقبة الإدارية للشؤون المالية

Key words:

local authorities- the administrative control- the financial affairs – the territorial authorities.

تعد اللامركزية نهجا ديمقراطيا تتيح لكيانات محلية تدبر شؤونها الخاصة بواسطة مجالس منتخبة، وتشمل ضرورة سياسية لبناء أو استكمال بناء الديمقراطية التمثيلية، وقد ازداد الاهتمام بمفهوم اللامركزية منذ أواخر القرن العشرين نتيجة للإفرازات التي نتجت عن المتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجيا التي شهدها العالم، ولم تعد اللامركزية هدفا في حد ذاتها وإنما أصبحت فلسفة وأداة تنموية تمكن السكان من المشاركة في صنع واتخاذ القرارات المتعلقة بتنمية مجتمعاتهم بما يعود عليهم بالفائدة.وفي خضم التحولات الكبرى التي شهدتها بنيات الدولة وتعدد أدوارها،تعالت الدعوة إلى تطوير النظام اللامركزي الذي يستند على الشرعية الإدارية والقانونية، وذلك بتبني منظور جديد ومقاربة مغايرة تتوخى البعد التدبيري، وذلك من خلال ترسيخ مفهوم إدارة القرب ومنهجية المقاربة التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة،الذي يشكل إلى جانب الرقابة الممارسة على الجماعات الترابية آلية فعالة في تجاوز أنماط التدبير التقليدية التي تأكدت محدوديتها في ظل التنامي المتزايد لمتطلبات المواطنين وتنوعها، وحاجتهم إلى الخدمات الأساسية والتجهيزات العمومية والاستفادة منها في أحسن الظروف. 

تحتاج الجماعات الترابية للقيام بالوظائف والمهام المنوطة بها في مختلف الميادين إلى موارد مالية ثابتة، تضمن لها أداء أدوارها المتنوعة على المستوى المحلي. ولا شك أنه كلما زادت تلك الموارد، وحسب استخدامها وإنفاقها، زادت فعالية الجماعات المحلية، وأمكنها ذلك من تلبية حاجات السكان المتزايدة. ومن أجل ذلك، تخضع المالية المحلية بالمغرب لتأطير ومراقبة الدولة، جباية وصرفا، كما هو الشأن بفرنسا[1]. وقد أناط القانون بتلك المهمة إلى وزارة الداخلية بضفتها وصية على الجماعات المحلية، وكذا بوزارة المالية. وإذا كانت الميزانيات تعتبر أهم الأعمال المالية للجماعات الترابية في تدبير التنمية المحلية[2]، فإن المراقبة الإدارية للشؤون المالية تنصب بضفة أساسية عليها من الإعداد إلى التصفية.

إن المراقبة الإدارية للشؤون المالية للجماعات الترابية هدفها المبدئي هو الحفاظ على المال العام الترابي، وصرفه على الوجه الأمثل. ويمكن التمييز داخل هذا النوع الرقابي من حيث التلازم مع حالة الميزانية انطلاقا من التحضير الذي يختم بالاعتماد ثم التنفيذ، بين الرقابة على المشاريع الميزانيات الجماعات الترابية (المبحث الأول). والمراقبة الإدارية لتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية (المبحث الثاني)، كما يمكن اختزالها بطريقة أخرى اعتمادا على معيار الزمن الذي تمارس فيه، إلى رقابة قبلية ورقابة مواكبة ثم رقابة بعدية.

المبحث الأول: المراقبة الإدارية الممارسة على مشاريع ميزانيات الجماعات الترابية

تعتبر المراقبة الإدارية لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية نوعا من الرقابة المسبقة لسلطات المختصة على المشاريع الميزانيات المختلفة، وذلك لتجنب الأخطاء قبل وقوعها. وتهدف تلك الرقابة إلى ضبط الميزانية وتلافي الوقوع في الأخطاء والانحرافات التي تضر بالسير العادي للعمليات المالية، وتؤثر عليها بشكل سلبي، أو التي لا تنسجم مع توجهات السياسة العامة للدولة[3]. ويمكن التمييز في تلك الرقابة بين الوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية (المطلب الأول)، والتي تكون في البداية وقبل اتخاذ الإجراءات الخاصة بالتصرف المالي، من خلال الحث على ضرورة استحضار الجماعات الترابية لمختلف المعطيات الوطنية والمحلية أثناء إعداد الميزانيات. ورقابة الرفض والقبول لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية (المطلب الثاني)، والتي تتم عن طريق المصادقة والتأشير بعد التحري في التقديرات المتعلقة بجباية الإيرادات قبل تحصيلها، والتأكد من سلامة التقديرات المتعلقة بصرف الأموال وبإنفاقها في الوجوه المستحقة.

المطلب الأول: المراقبة الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية

يعتبر مبدأ المبادرة أول لبنة يرتكز عليها أسلوب اللامركزية الإدارية الترابية، فالمنتخب المحلي عند اضطلاعه بالمهام والاختصاصات المنوطة به، يفترض فيه كامل الحرية لاختيار كيفية الأداء. كما أن الأصل في الجماعات الترابية هو قدرتها على الاختيار بين القيام بعمل ما أو الامتناع عنه، ولا يمكن أن يلزمها بغير ذلك في الأصل عدا النصوص القانونية[4]. إلا أنه ولما كانت وحدة الدولة واندماجها فوق كل اعتبار، ولما كانت الجماعات الترابية أثناء تحضير وإعداد ميزانيتها قد تخرج عن توجهات السياسة العامة للدولة، أو قد تجنح لاختيارات اقتصادية أو اجتماعية أو تنموية مخالفة لتلك المعتمدة من طرف السلطات المركزية، وهو الأمر الذي سيضر لا محالة يتلك الوحدة وذلك الاندماج، فإن الدولة ما فتئت تؤكد على أنه لم تجد أمامها من خيار سوى إرساء نوع من الوصاية السابقة والقبلية، قصد توجيه مشاريع ميزانيات الجماعات الترابية.

ولعل من بين ما يتخذ كمبرر لتلك الوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية حسب منطق وزارة الداخلية هو تفادي كل الأخطاء المالية التي يمكن أن تحدث خلال إعداد الميزانية، وتصححها قبل وقوعها[5]. وإذا كانت الرقابة الإدارية على الشؤون المالية كما هو معلوم تنقسم إلى رقابة قبلية ومواكبة وبعدية، ولكل رقابة من تلك الرقابات مجالها وحدودها الخاصة، فإن الوصاية القبلية على الجماعات الترابية ومن خلال المراقبة الموجهة، لا تنحصر فقط في تلقي مشاريع الميزانيات قصد دراستها واتخاذ القرار بشأن اعتمادها والمصادقة عليها أو عدم المصادقة، بل تتدخل سلطات الوصاية بواسطتها حتى قبل صياغة الميزانية وإعدادها، وذلك عبر تعليمات وأوامر تأتي في شكل مناشير ومذكرات ودوريات، وتتناول بالأساس ضوابط وقواعد وضع توقعات وتقديرات المداخيل والنفقات وبعض شروط برمجة المشاريع التنموية[6].

ولقد أثبتت الممارسة حسب منطق وزارة الداخلية أن مصلحة الدولة تستوجب وجود رقابة مسبقة تستهدف حسن إدارة وسير الهيئات المحلية، وذلك في إطار تنظيم إداري موحد يسري على جميع الجماعات الترابية. كما تستلزم، وقصد إنجاح المخططات الوطنية على مستوى الجماعات المحلية، وتحقيق التنسيق بخصوص هذه الأخيرة فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين الدولة من جهة أخرى، إيجاد رقابة إدارية تسمح للدولة بالحفاظ على وحدة الاتجاه السياسي والإداري والمالي العام. وبعبارة أوضح يمكن القول إن الجماعات الترابية ستنزع في الغالب وبلا ارتياب إلى إيثار مصالحها الخاصة على المصالح الوطنية، إذا لم تكن هناك رقابة تسمح للدولة بالتوفيق بين تلك المصالح المحلية والمصالح الوطنية، وعلى هذا الأساس كان لابد من وجود الوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعة الترابية.

صحيح أن الوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية مسألة سلبية ومعيبة، حيث قد تضرب الفلسفة التي تقوم عليها اللامركزية الإدارية الترابية في الصميم. لكنها وفي ظل الظروف الحالية التي تعيشها الجماعات الترابية بالمغرب، حيث تدني المستوى السياسي والثقافي للمنتخب المحلي تبقى ضرورة إذا تمت ممارستها بشكل عقلاني ومعقلن. أما إذا كان لا بد من الاستغناء عنها، فإن الأمر يستلزم قبل ذلك الرفع من المستوى السياسي والأخلاقي للمنتخب المحلي. وهكذا في الوقت الذي كان الكثيرون ينتظرون من وزارة الداخلية أن تشترط ضرورة التوفر على مستوى نهاية الدروس الثانوية على الأقل، في كل من يتولى منصب الرئيس من أجل قطع الطريق على الأميين وضعيفي التكوين. تجاهلت مشاريع القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية بالمرة الإشارة إلى الموضوع، فاتحة بذلك باب الرئاسة على مصراعيه في وجه كل من “هب ودب”. ومن هنا فإن واقع الحال سيفرض لا محالة -إذا تم الإبقاء على هذا الفراغ القانوني- وبشكل أكبر حدة الحاجة إلى الوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية.

إن الأهمية والفائدة التي تحظى بها الرقابة الموجهة لمشاريع الميزانيات في حماية المال العام المحلي من كل التصرفات غير القانونية وغير الفعالة، مستمدة أساسا من تلك المعلومات والمعطيات التي تحتكرها سلطات الوصاية[7]، حيث بواسطتها يمكن ملاءمة مشاريع الميزانيات مع متطلبات التنمية المحلية وفي نفس الوقت مع التوجهات العامة لسياسة الدولة. وعلاقة لهذا النمط الرقابي باستقلال الجماعات الترابية يمكن القول أنه إذا كان الاستقلال المالي يعتبر أساس النظام اللامركزي ذاته ومن مبادئه المهمة[8]، وكان من شأن الرقابة على إعداد الميزانيات المحلية المس بتلك الاستقلالية، فإن واقع الحال -وبالرغم من ذلك- يرجع تدخل الوصاية الإدارية في هذه المرحلة بل يفرض تدخلها حتى قبل الإعداد.

وهكذا تصدر وزارة الداخلية أو ممثلوها، تعليمات مقنعة في شكل دوريات ومراسلات تركز بالأساس، على الإجراءات والمضامين الواجب الأخذ بها عند إعداد أي مشروع للميزانية المحلية، مع استحضار مجموعة من المعطيات، خاصة تلك المتعلقة بالبرامج والمشاريع أو الخطوط والتوجهات التنموية الكبرى التي ترسمها الدولة بالإدارة المركزية.

وفي هذا الإطار أيضا، نجد أن وضع الميزانية المحلية يصطدم بصعوبات ومشاكل كثيرة، سواء على المستوى التقني أو المسطري، أو على مستوى المضمون، إذ تعتبر مرحلة إعداد الميزانية المحلية مرحلة حساسة ومن المراحل المهمة التي تمر بها مشاريع الميزانيات[9]. ذلك لأن أي خلل أو قصور في إعدادها وتحضيرها ستكون له انعكاسات سلبية وخيمة ليس على نتائج التحضير فقط، بل على جميع المراحل الأخرى. فضلا غن كونه قد يؤدي إلى رفض الميزانية من قبل الجهاز التداولي أو سلطة الوصاية، مما سيؤدي ويفضي لا محالة إلى تأخير المشاريع التنموية، بل إلى تعطيل المصالح والمرافق المحلية. وعلى هذا الأساس وقصد تجاوز تلك الوضعية عند إعداد الميزانية، وبهدف تجنب حالة الجمود والخلل، واقتراح الحلول الكفيلة بتفادي الأخطاء التي من شأنها أن تعرض الميزانية للرفض، تجد سلطات الوصاية مبررها للتدخل بواسطة ما يسمى بالمراقبة الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية. ومن جهة أخرى، يمكن القول أن ضعف المستوى الثقافي والمعرفي لغالبية رؤساء مجالس الجماعات الترابية، بل وحتى غالبية أعضاء المجالس المنتخبة وخاصة في بعض الجماعات الحضرية والقروية، وعدم قدرتهم على ممارسة اختصاصاتهم[10]، هو الذي أتاح للسلطات الوصية التدخل والنفاذ حتى إلى الأمور التي أوكلها القانون بشكل صريح إلى المجالس المنتخبة، وينضاف إلى ذلك قلة الأطر والفنيين والتقنيين المتخصصين في المجال المالي لدى غالبية الجماعات الترابية.

وتأسيسا على ما سبق، يظل الإشكال المحرج فيما يتعلق بوضع ميزانيات الجماعات الترابية في المغرب وإعدادها، هو مدى الدور الذي يستطيع أن يقوم به المنتخبون المحليون في هذا المجال. فمن خلال تتبع الممارسة تبين أن سلطات الوصاية وحتى وإن لم تتضمن النصوص التشريعية والتنظيمية أية مقتضيات صريحة تسمح لها بذلك التدخل التوجيهي، فإن لها تأثيرا واضحا وكبيرا على إنجاز القسط الوافر من العمليات الخاصة بإعداد الميزانيات المحلية. حيث إنها في حقيقة الأمر هي من يقوم بتحديد الأولويات والتوجهات العامة التي تعكسها الميزانية، على اعتبار أن عدم امتثال الجماعات الترابية لتلك التوجيهات يؤدي في غالب الأحيان إلى عدم مصادقة سلطات الوصاية على الميزانية المحالة عليها. وذلك نظرا لغياب تحديد واضح لمضامين الرقابة وحدودها، والخلط بينها وبين الدعم الذي يفرض على مصالح العمالة تقديمه للجماعات الترابية المختلفة.

إن المراقبة الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية، تعمل على ” تخطي المخالفات والتجاوزات المتكررة التي تلحق ضررا بتدبير ميزانيات الجماعات المحلية ومصداقية تعاملها”. حيث تتدخل سلطات المراقبة عن طريق عدة وسائل وآليات لتوجيه مشاريع ميزانيات الجماعات الترابية والتأثير عليها، مستهلة في ذلك روح القوانين المنظمة للجماعات الترابية، فتلك القوانين نفسها تركز على مسألة الملائمة مع الوضع العام للبلاد والمخططات والبرامج والمشاريع التنموية الوطنية. ولعل هذا الأمر لا يقتصر على مشاريع الميزانيات المحلية فقط، وإنما يشمل إلى جانب ذلك كافة أوجه الأنشطة التنموية الأخرى للجماعات الترابية، ويجعل بالتالي إعداد مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من قبل هذه الأخيرة ملزمة بالانضباط وبالتوافق مع المخطط الوطني.

وهكذا وبناء على ما سبق، يمكن القول أن سلطات المراقبة وبواسطة هذا النوع من الرقابة، وبالرغم من الانتقادات الموجهة لها، يمكن أن تعمل من خلالها على ضمان التنفيذ السليم للسياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية بالجماعات الترابية. كما يمكن – أو على الأقل هذا ما يفترض فيها- أن تعمل على ضمان احترام القوانين والمساطر المالية، والتوجيهات التقنية والنماذج الموحدة وغيرها. وذلك مراعاة لتحقيق مشروعية التصرف المالي قبل تنفيذه بل قبل إيجاده، من خلال تفادي كافة الأخطاء التي من المحتمل أن تؤدي إلى تأخير المشاريع التنموية ومن ثم تعطيل المصالح والمرافق المحلية.

وعلى صعيد آخر، وبخصوص القوانين التنظيمية الجديدة، فإنه إلى جانب تكريسها غير المباشر للوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية، من خلال عدم اشتراط مستوى تعليمي معين في المنتخبين ولا حتى في الرؤساء، هناك العديد من الصيغ والمعطيات الأخرى فيها المباشرة وغير المباشرة التي تدعم هذه الرقابة. ونجد منها على سبيل المثال لا الحصر، أن صيغة المواد التي تتضمن اختصاصات الولاة أو العمال أو ممثليهم، تختلف تماما عن تلك المشتملة على اختصاصات رؤساء المجالس أو اختصاصات المجالس. حيث نجد عنصر الجزاء حاضرا بقوة في الأولى، وشبه مغيب في الثانية، مع العلم أن عنصر الجزاء هو الذي يعطي القاعدة القانونية روحا ومعنى، وهو الذي يفرض على الجميع الخضوع لأحكامها منتخبين ومعينين. فلماذا لم يخول الرؤساء حق إحالة قرارات سلطات الوصاية غير الملائمة للجماعة الترابية على القضاء الإداري مثلا؟

المطلب الثاني: رقابة الرفض والقبول لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية

إن ميزانيات الجماعات المحلية قبل تنفيذها لابد أن تخضع إلى نوع خاص من الرقابة يمكن تسميتها “رقابة الرفض والقبول” لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية، والتي تهدف إلى اكتشاف وتحليل المشاكل الممكن حدوثها قصد تفاديها ومعالجتها قبل وقوعها. وبالرغم من أنها قد تؤدي إلى المساس أحيانا بمبادئ الحرية والاستقلال المالي والإداري للوحدات المنتخبة، على غرار باقي أنماط الرقابة القبلية الأخرى[11]، بل ربما أكثر منها، فإن الموافقة السابقة على مشاريع الميزانيات، ثم التأشير على بعض القرارات المتعلقة بصرف الأموال وإيرادها تعتبر مسألة حاسمة. بل هي ضرورية في بعض الأحيان من أجل ضمان تطبيق القوانين والقواعد التنظيمية، والتحقق من أسس وقواعد الضبط المالي للمداخيل وللنفقات العمومية المتوقعة. وهكذا عن طريق تلك الرقابة التي تحتمل الرفض والقبول يتموضع المنطلق الأول لتطبيق الميزانية، ومحاولة جعلها تقديرا سليما تراعي فيه كافة قواعد الإنفاق والمداخيل المقررة خلال السنة المالية.

إنه بعد تحضير مشاريع الميزانيات من طرف السلطات المختصة – حسب نوع الجماعة الترابية- يتم التصويت عليها من طرف المنتخبين، إلا أن ذلك التصويت لا يكفي وحده لإضفاء الشرعية على تلك المشاريع وجعلها ميزانيات مكتملة وقابلة للتنفيذ. بل تظل تلك الشرعية ناقصة وغير مكتملة حتى تفصح سلطة الوصاية عن موقفها حيال وثيقة الميزانية، وهذا ما يسمى برقابة الرفض والقبول لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية. فالميزانية لا يمكن أن تكون إلا مشروعا غير قابل للتنفيذ قبل إبداء سلطات الوصاية لرأيها بالمصادقة عليها أو عدم المصادقة، أو التأشير عليها بالنسبة للقوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، حيث لا يكون المقرر – المتعلق بالميزانية قابلة للتنفيذ إلا بعد التأشير عليه من قبل الجهة الرقابية المختصة، حسب نوع الجماعة الترابية المعنية. ولعل الهدف الأساسي من آلية المصادقة القبلية أو التأشير في إطار النصوص الجديدة التي تملكها سلطات الوصاية المختصة كإشراف قبلي على الميزانية المحلية، هو أساسا ضمان التنسيق والانسجام بين التوجه المالي للدولة والوحدات المحلية. هذا ناهيك عن كونها أحيانا قد تصبح صمام الأمان للأموال العمومية المحلية، وذلك من خلال حق الاعتراض على بعض المشاريع التنموية المحلية، التي يثبت لسلطات الوصاية عدم جدواها وفعاليتها.

وتهدف عملية المصادقة أو التأشير بالنسبة للنصوص الجديدة على مشاريع ميزانيات الجماعات الترابية – من الناحية المبدئية – إلى تفادي الإخلال بمبادئ المشروعية والملائمة، وإيقاف كل خطأ مالي قد حدث أثناء إعداد وتحضير الميزانيات. وبالتالي إلى ضبط كل التصرفات المالية التي من شأنها أن تضر بشكل أو بأخر بالسير العادي للمالية المحلية، أو تلك التي لا تساير السياسة المالية العمة للدولة. وإلى جانب ذلك نجد أن عددا مهما من المقررات والمداولات والتوجهات المالية تستلزم تأشيرة ومصادقة سلطات الوصاية، فكل المقررات المتخذة من طرف المجالس المنتخبة بالنسبة للمجالات الوارد تحديدها في المواد المتعلقة بالوصاية على أعمال مجالس الجماعات الترابية، أو تلك الواردة تحت عنوان المراقبة الإدارية في القوانين التنظيمية الجديدة، يجب أن تخضع للموافقة المسبقة. فلا تكون قابلة للتنفيذ إلا بعد المصادقة عليها من طرف سلطات الوصاية، وهو ما يدل على أن أهم القرارات والمداولات التي تختص بها الجماعات الترابية والمتعلقة بالشؤون المالية تظل رهينة التأشير والمصادقة المسبقة.

وفي نفس الإطار، تشكل مرحلة المصادقة على ميزانيات الجماعات الترابية المرحلة المهمة قبل التنفيذ، وتهدف إلى التأكد من أن جميع الإجراءات والشروط المطلوبة قانونيا في مشروع الميزانية مستوفاة. أما ممارسة تلك الرقابة، فإنها تتم بالأساس عن طريق إدراج النفقات الإجبارية، – خاصة ما يتعلق منها بتسديد القروض- ومن خلال الحفاظ على مبدأ توازن الميزانيات، باعتبارها من القواعد الأساسية المرتبطة بالتنظيم المالي للجماعات الترابية. وقد تم التنصيص عليه في المادة السادسة من القانون المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، حيث من بين ما جاء في هذا الصدد، أنه ” يجب أن تكون الميزانية متوازنة في جزئيها، وإذا ظهر فائض تقديري في الجزء الأول وجب رصده بالجزء الثاني.

وهكذا إذا كان الهدف الأساسي من الوصاية والمراقبة على الميزانية المحلية بصفة عامة، هو ضمان استمرارية الجماعات المحلية كيفما كانت صعوبتها ومشاكلها، المؤسساتية والإدارية والسياسية أو المالية، مع ضمان وجود ميزانية متوازنة. فإن مبدأ التوازن يعتبر من أهم تلك المبادئ الأساسية للمالية المحلية، وذلك لاعتبارات عدة، فعدم توازن الميزانية المحلية قد تكون له انعكاسات سلبية وتداعيات وخيمة، وليس ذلك على مستوى الجماعة الترابية فقط، بل على المستوى الوطني أيضا، ومن هنا ينبغي أن تكون مداخيل الميزانيات متساوية مع النفقات، وأي تقديرات مالية في بنود مشاريع الميزانيات سواء كانت تسييرية أو تجهيزية مبالغ فيها، يكون جوابها الرفض من طرف سلطات الوصاية، ومن ثم إعادة التوازن المالي للميزانية المعنية.

أما بخصوص تسجيل النفقات الإجبارية، التي تكتسي أهمية قصوى بالنسبة للوحدات المحلية، نظرا لأهميتها وضرورتها. فهي تتم لزاما على المنتخبين لأنها نفقات استهلاكية ضرورية لتسيير مرافق الجماعات الترابية، وتتعلق بوجودها في حد ذاته وبدونها يستحيل قيامها والحفاظ على سيرها العادي[12]. وهكذا يؤدي عدم تسجيل تلك النفقات أو إغفال جزء منها بالضرورة إلى تدخل سلطة الوصاية لتطلب من المجلس تسوية تلك الوضعية، وفي حالة امتناعه عن ذلك، فإنها تحل محله وتقوم بإجراء التغييرات الضرورية، ثم تقوم بعد ذلك بإقرار الميزانية، وذلك طبقا للمادة 24 من القانون المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، الذي خولها هذا الحق بصريح العبارة.

ومن هنا ونظرا لأهمية كل من مبدأ توازن الميزانية ومسألة إدراج النفقات الإجبارية، في إطار الرقابة السابقة التي يتم إجراءها قصد المصادقة أو بالأحرى التأشير على الميزانيات، فإن القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية نصت عليها هي الأخرى بصريح العبارة. حيث جاء فيها أن الميزانية يجب أن تعرض على تأشيرة ما يسمى بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بالنسبة للجهات، أو العامل بالنسبة للعمالات أو الأقاليم أو للجماعات في تاريخ أقصاه 20 نوفمبر. وتصبح الميزانية قابلة للتنفيذ بعد التأشير عليها الذي يكون بعد مراقبة كل من احترام أحكام القانون التنظيمي والقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وتوازن الميزانية على أساس صدقية تقديرات المداخيل والنفقات، ثم تسجيل النفقات الإجبارية[13].

إن لممارسة الوصاية السابقة غلى مالية الجماعات الترابية بصفة عامة، آثارا قانونية تتمثل في الموافقة أو الرفض لمشروع الميزانية المحلية. ولا شك أن مبدأ المصادقة أو التأشير، يعتبر خلاصة التدخل الرقابي السابق على إعداد الميزانية أو المتعلق بشكلها أو مضمونها. فسلطات الوصاية تعمد بعد دراسة مشاريع الميزانيات المعروضة عليها إلى إصدار قرارها، في الوقت المناسب والمنصوص عليه قانونيا. ومن هنا فإن نتيجة تلك الرقابة إما القبول والموافقة، وفي هذه الحالة يصبح المشروع، ميزانية ووثيقة رسمية وقانونية، أو الرفض الذي يطرح إشكالات عديدة[14]، وليس أبرزها فقط كونه يستلزم مسطرة معقدة لتجاوز المرحلة وتجنب حالة الشلل التي سيفرزها لا محالة. وعليه في حالة تعذر المصادقة بسبب عدم احترام أي شرط من الشروط الثلاثة المنصوص عليها في القانون، تعيد مصالح سلطة الوصاية مشروع الميزانية للآمر بالصرف مرفقة بأسباب الرفض. وفي تلك الحالة يتوفر هذا الأخير في أجل 15 يوم الإعادة دراسة الميزانية وتصويت المجلس عليها من جديد. كما يتعين عليهم جددا عرضها على سلطة الوصاية للمصادقة في تاريخ لا يتعدى 15 يناير، حيث تتم المصادقة على الميزانية وتبليغها في أجل أقصاه 45 يوما ابتداء من تاريخ التوصل بها من طرف سلطة الوصاية.

أما في حالة عدم المصادقة على مشروع الميزانية قبل فاتح يناير، فإنه يسمح للآمر بالصرف، بقرار لسلطة الوصاية، للقيام بتحصيل المداخيل والالتزام بنفقات التسيير وتصفيتها ووضع الحوالات بشأنها، في حدود الاعتمادات المقيدة برسم آخر ميزانية تمت المصادقة عليها، وذلك إلى غاية المصادقة على مشروع الميزانية المعنية، أما إذا لم يؤخذ بأسباب رفض سلطة الوصاية، فإن هذه الأخيرة تقوم بوضع ميزانية للتسيير على أساس آخر ميزانية مصادق عليها، مع مراعاة تطور تحملات وموارد الجماعة. وكذلك الأمر في حالة إذا لم يتم عرض مشروع الميزانية على المصادقة في الآجال المحددة، حيث يمكن لسلطة الوصاية، بعد طلب استفسارات من الآمر بالصرف حول ذلك، أن تقوم قبل فاتح يناير بوضع ميزانية التسيير للجماعة على أساس آخر ميزانية مصادقة عليها مع مراعاة تطورات حملات وموارد تلك الجماعة.

ولعل نفس المقتضيات تقريبا جاءت بها القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، عدا ما يتعلق بالآجال أو المدة الممنوحة لسلطات الوصاية قصد التأشير على الميزانيات. حيث أصبحت 20 يوما فقط، عوض 45 يوما في المادة 25 من القانون رقم 08-45 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها. ثم ما يتعلق بالمدة الممنوحة للرئيس قصد الميزانية من جديد بهدف التأشير عليها، حيث أصبح ملزما للقيام بذلك قبل فاتح يناير في النصوص الجديدة عوض 15 ديسمبر لما سبق. ولاشك أن هذا التغيير في المدد مسألة إيجابية، وكانت دائما من المقترحات التي تطرح للتخفيف من شدة الوصاية المالية التي كانت ممارسة على الجماعات المحلية. ولكن في المقابل فإن الملاحظة الأخرى التي يجب إبداؤها في هذا الصدد، هو أنه رغم التغيير الشكلي الذي عرفه المصطلح بخصوص الرقابة السابقة أو ما أطلقنا عليه رقابة الرفض والقبول، حيث أصبح الأمر يتعلق بالتأشير عوض المصادقة، فإن مضمون الوصاية لم يتغير، بل بقي كما كان من حيث جميع الجوانب. ومنا نتساءل عن جدوى من إدخال تغييرات في الشكل فيما ماهية الوصاية لم يتغير؟

المبحث الثاني: المراقبة الإدارية على تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية

تتميز الرقابة الإدارية على الجماعات الترابية في المجال المالي بقوتها وكثافتها مما يمنحها تأثيرا كبيرا على الخيارات المالية للمجالس المنتخبة، فتدخل سلطات الوصاية لا ينتهي عند إعداد الميزانية المحلية ولا عند المصادقة عليها، وإنما يتجاوز ذلك ليرتكز في مرحلة تنفيذ الميزانية وبعد التنفيذ أيضا[15]. ويتم ذلك من خلال الرقابة الإدارية المواكبة لتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية (المطلب الأول)، والتي تكون بهدف التأكد من سلامة ما يجري عليه العمل في حينه، ومن أن التنفيذ يسير وفقا لما هو مرسوم له، ويهدف المساهمة في تطوير العمل المالي، إذ تؤدي إلى تصحيح الأخطاء أولا فأول، مما ينعكس على النتائج المرجوة. ثم بعد ذلك بواسطة الرقابة الإدارية اللاحقة لتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية (المطلب الثاني)، والتي تكون قصد مراجعة العمليات المالية التي تمت فعلا للكشف عما وقع من مخالفات فيها. حيث يتم الرجوع إلى المستندات والسجلات المحاسبية الخاصة بصرف الأموال وتحصيلها، وذلك قصد التتبع ومعرفة مدى مطابقة تلك التصرفات للقواعد الواجبة.

المطلب الأول: المراقبة الإدارية المواكبة لتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية

تخضع ميزانيات الجماعات الترابية لرقابة متزامنة مع التنفيذ على تصرفاتها المالية خاصة في جانب الإنفاق، وتستهدف تلك الرقابة المواكبة بالأساس بحث مشروعية التصرف المالي أثناء تنفيذه، لذلك يطلق عليها الرقابة المواكبة للتنفيذ أو الرقابة المتزامنة مع التنفيذ. وتقون الرقابة المرافقة أو المواكبة لتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية بتصحيح الانحرافات والاختلالات، ومنع الخروج عن الضوابط والمعايير في نفس وقت التنفيذ، ولعل الميزة الأساسية لذلك النوع من الرقابة هو تحديد المشاكل وتحجيمها قبل أن تتفاقم. أما بالنسبة لأهم جهة مكلفة بمزاولة تلك الرقابة – وبغض النظر عن رقابة الإجراءات التنفيذية لسلطات الوصاية المتمثلة في وزارة الداخلية والأجهزة التابعة لها – فهي أجهزة ومصالح الوزارة المكلفة بقطاع المالية. والتي من أبرزها المحاسبين العموميين للجماعات الترابية، إذ تعتبر المراقبة أثناء التنفيذ من أبرز اختصاصاتهم وصلاحياتهم.

لقد دخل القانون المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعتها بتاريخ 23 فبراير 2009 حيز التنفيذ[16]، ناسخا بذلك الظهير الشريف بمثابة قانون، الصادر في 1976، والذي أطر عمليات التنظيم المالي للجماعات المحلية أكثر من ثلاثة عقود[17]. ومن بين المستجدات الكبرى التي كان قد أتى بها ذلك القانون في مسألة علاقة الوزارة المكلفة بالمالية بالتنظيم المالي المحلي، كون مشاريع ميزانيات الجماعات الترابية، لم تعد تخضع لتأشيرة مصالح وزارة المالية قبل المصادقة عليها من طرف سلطة الوصاية[18].

إلا أنه وفي مقابل ذلك فقد تم تأكيد وتدقيق وتعزيز دور هذه الوزارة المكلفة بقطاع المالية في الرقابة أثناء تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية، وذلك من خلال الدور الذي أصبح يقوم به المحاسب العمومي في المراقبة التي يمارسها على إجراءات التنفيذ المتعلقة بالنفقات، وتلك المتعلقة بالموارد[19]. وكما هو الشأن بالنسبة إلى كل قانون جديد، فقد نصت المادة 61 من القانون المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات الترابية آنذاك، على أن النصوص السابقة المتخذة لتطبيق ظهير 1976 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية المنسوخ، تظل سارية المفعول إلى حين استصدار المرسوم المحدد لقواعد المحاسبة العمومية[20]، والمرسوم المحدد لشروط وطرق إبرام صفقات الجماعات المحلية ومجموعاتها[21].

وهكذا بمقتضى النصوص المشار إليها يتم تنفيذ الميزانية المحلية بواسطة اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير، التي يجب أن تكون مطابقة لتلك النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، إن على مستوى تحصيل الموارد والمداخيل أو على مستوى أداء النفقات والتكاليف. ومن هنا بخصوص تنفيذ النفقات والتكاليف المالية، فإن القانون ينص على أنها يمكن أن يتم تنزيلها إلا وفق نماذج ومساطر محددة، ويقوم المحاسبون العموميون للجماعات الترابية بالدور الأساسي على هذا المستوى، إذ تتم مراقبة مدى احترام تلك القواعد والمعايير والضوابط مراقبة دقيقة، والتأكد من جميع التفاصيل قبل التأشير على العمليات المالية وتصفيتها. أما بالنسبة للتحصيل فلا يختلف الأمر كثيرا عن ذلك، فالمحاسب العمومي ومادام أنه هو المسؤول الأول عن التنفيذ التقني والمحاسبي للميزانيات، فأنه يتعين عليه -وبحكم القانون- أن يكون حريصا على مراقبة صحة المداخيل وسلامتها وعلى احترامها للنظم والقواعد المحددة، حيث يتعين عليه “أن يقوم سلفا بمراقبة مشروعية عملية القبض والتنزيل المالي وكذا التحقق من المستندات المثبتة…..”[22].

إن الرقابة التي يجريها المحاسب على الأمر بالتحصيل، هي رقابة ذات طابع شمولي وتفصيلي في نفس الوقت. حيث يقوم بإجراء رقابة عامة على المداخيل من خلال التأكد من قانونيتها وطابعها السنوي، ومن صدور أمر التحصيل وفق القواعد والشكليات المحددة. وعليه لا يجوز أي تصرف تنفيذي إزاء أوامر وسندات المداخيل سواء بالإصدار أو الاعتماد أو التحمل أو الشروع في التحصيل أو غيرها، إلا إذا كانت متوفرة على جميع الشروط القانونية لذلك. أما بالنسبة للرقابة على شكل ومضمون أمر التحصيل، فإنه يكون عن طريق التأكد من صحة قواعد تصفية المداخيل وطرق احتساب مبالغها، ومدى توافق سندات التحصيل مع الشكليات المنصوص عليها تنظيميا، وكذا إرفاقها بالوثائق المثبتة قبل تنفيذها والشروع في تحصيلها كما نص على ذلك مرسوم 1976، بشأن صحة الالتزام بالنفقات الخاصة بالجماعات المحلية ومجموعاتها، ومرسوم 2010 المتعلق بسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعاتها، ومرسوم 2013 المتعلق بالصفقات العمومية.

وعلى صعيد آخر، إذا كانت الرقابة على الموارد والمداخيل بالجماعات الترابية أثناء التنفيذ تحضى بكل تلك الأهمية، فإن رقابة النفقات بالجماعات الترابية مكانتها أكبر وأهم. ولعل ذلك راجع إلى كون الإنفاق يعتبر من أدق الإجراءات التنفيذية وأكثرها حساسية، ذلك لأن عملية صرف الأموال تمثل المرحلة الأخيرة والمهمة التي تنقل التقديرات والتوقعات والمخططات التنموية – التي جاءت بها الميزانيات المحلية – من الصفة المجردة إلى الممارسة وإلى أوراش ومشاريع حقيقية على أرض الواقع. وقبل تناول أبرز تجليات الرقابة على النفقات بالجماعات الترابية، لا بد من الإشارة إلى أن مراقبة الالتزام بالنفقات على المستوى المحلي ونظرا لأهميتها كانت منظمة بمرسوم خاص، قبل أن يتم نسخه بمقتضى مرسوم 2010 المتعلق بسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعتها، وبمقتضى مرسوم 2013 المتعلق بالصفقات العمومية، تنفيذا للمواد 54 و55 و61 من قانون 2009 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها[23].

ولقد تم إدماج المقتضيات المتعلقة بمراقبة الالتزام بنفقات الجماعات المحلية ضمن المرسوم المتعلق بمحاسبة الجماعات الترابية، وأصبحت تلك المراقبة تسمى “مراقبة مالية في مرحلة الالتزام”. وتمارس تلك المراقبة قبل أن يصبح الالتزام نهائيا، حيث يقوم الخازن الجماعي بالمراقبة المذكورة التي تنصب على توفر الاعتمادات والمناصب المالية، والإدراج المالي للنفقة. هذا ناهيك عن مراقبة العمليات المالية لمبلغ الالتزام، وتجري تلك المراقبة قبل أي التزام، وهي تتم بالإشهاد على مقترح الالتزام أو بتعليق الإشهاد مع تضمين الملاحظات التي يثيرها مقترح الالتزام عند تعليق الإشهاد.

وإلى جانب المراقبة المالية في مرحلة الالتزام، هناك ” مراقبة صحة الدين”، أو ما يسمى في المرسوم المتعلق بالمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعاتها “مراقبة صحة النفقة”. وبمقتضى تلك الرقابة يتعين على الخازن المسؤول وقبل وضع التأشيرة من أجل الأداء، أن يراقب صحة النفقة من حيث جوانب عدة، أبرزها صحة حسابات التصفية، والصفة الإبرائية للتسديد والإشهاد على الالتزام المالي، بالإضافة إلى التأكد من توفر الأموال واعتمادات الأداء وتوقيع الآمر بالصرف. وهكذا يحيل المحاسب على الآمر بالصرف الأوامر الواجب أداؤها نقدا معززة بأوراق إصدارها قصد تسليمها للمستفيدين، غير أنه إذا لاحظ أي مخالفة في المسائل المذكورة سالفا يرجع الأوامر بالأداء إليه غير مؤشر عليها ومعززة بمذكرة تشمل على الملاحظات المسجلة من طرفه والتي حالت دون التسوية.[24]

وجدير بالإشارة هنا أن القوانين التنظيمية الجديدة بما تحتويه من أقسام خاصة لتنظيم التدبير المالي للجماعات الترابية، فهي تنسخ جميع الأحكام المطبقة على مختلف الجماعات الترابية، الواردة في القانون رقم 08-45 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، غير أن النصوص المتخذة لتطبيق مقتضيات هذا القانون الأخير ستظل سارية المفعول بصفة انتقائية إلى حين تعويضها[25] وفقا لأحكام هذه النصوص التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية.

إن شمولية ودقة المراقبة التي تجريها المحاسب العمومي على الآمر بالصرف أثناء تنفيذ الميزانية، لا تغني عن تدخل سلطات الوصاية ممثل بالأساس في وزارة الداخلية خلال هذه المرحلة أيضا. فسلطة الوصاية لا ينحصر تدخلها في المصادقة على مشاريع ميزانية الجماعات الترابية، وإنما يتعداها لمتابعة النشاط المالي المحلي وتتبع المشاريع المعنية إلى النهاية. وهكذا تقوم مصالح وزارة الداخلية بمراقبة وتتبع عمليات التنفيذ المالي بشكل متزامن، عبر آليات وظيفية متعددة، تبدأ بالمصادقة على إجراءات تنفيذ المشاريع المحلية، خاصة تلك المتعلقة بنفقات التجهيز، كالصفقات المحلية واقتناء الأملاك وغيرها، ولا تقف بالضرورة عندها، بل قد تمتد أحيانا إلى الحلول محل الأجهزة التنفيذية في بعض المجالات. وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن تدخل سلطات الوصاية أثناء التنفيذ لا يشمل نفقات التسيير العادية والمرتبطة بالتكاليف المتكررة، إلا في حالات نادرة واستثنائي.

وإلى جانب ما سبق، فإن القوانين التنظيمية الجديدة إذا كانت قد وسعت إلى حد ما من الموارد المالية للجماعات الترابية -نظرا لاتساع اختصاصاتها أيضا- فإن الرقابة المواكبة لتدبير الشؤون المالية الترابية قد عرفت هي الأخرى اتساعا وتوسعا. بل الأكثر من ذلك يمكن بقرارات لوزارة الداخلية إحداث ميزانيات أو حسابات تكلف مالية الجماعات الترابية، وذلك بمسميات متعددة، وهو ما يتنافى وبدون شك مع ماهية وفلسفة اللامركزية الإدارية الترابية. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، مسألة إحداث حسابات مرصودة لأمور خصوصية بقرار لما يسمى بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. وذلك قصد تبيان وإبراز المداخيل المتوقعة المرصودة لتمويل صنف معين من النفقات، والاستعمال الذي خصصت له هذه المداخيل. ثم مسألة إحداث حسابات النفقات من المخصصات بقرار لما يسمى بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية أو من تفوض له ذلك، وتدرج فيه العمليات التي تمول بموارد يتم تحديدها مسبقا.

إن هذه القرارات المؤثرة في الشؤون المالية للجماعات الترابية التي أحدثتها القوانين التنظيمية الجديدة، لا يمكن إدراجها إلا في إطار تشديد الرقابة وإحكام قبضة وزارة الداخلية على الوحدات الترابية المنتخبة. فكيف يعقل أن ينص القانون الذي من المفترض فيه حماية مبادئ اللامركزية الترابية والذود عنها بكل الطرق والوسائل، على إمكانية الوزارة المكلفة بالداخلية إصدار قرارات مالية لها مباشر على حرية الجماعات الترابية لاسيما مبدأ المبادرة؟ بل الأكثر من ذلك وقعا وعيبا والأدهى في ميزان المبادئ العليا لنظام اللامركزية الترابية، هو أن هذا الحق الممنوح لما يسمى بالوزارة المكلفة بالداخلية لم يقيد بوقت معين، وإنما يكون في كل وقت وحين، ومن ثم قد يسبب مشاكل جمة إذا تم بشكل مواكب لتنفيذ الميزانيات. وعموما يتبين بأن الرقابة الموازية والمواكبة لتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية تتسم بنوع من التعقيد وكثرة الإجراءات والمساطر، وأم المحاسب العمومي الممثل لقطاع المالية هو أهم جهاز ممارس لها، دون أن ننسى رقابة الوزارة المكلفة بالداخلية والتي لا تعتبر ذات أهمية مبدئية كبيرة في هذا الصدد، خاصة مع المقتضيات التي جاءت بها القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية.

المطلب الثاني: المراقبة الإدارية اللاحقة على تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية

إن المقصود بالرقابة الإدارية اللاحقة هي تلك المراجعة والفحص للمعطيات الحسابية ومستندات التحصيل والصرف والحساب الختامي، (وأحيانا مقارنتها مع مختلف الأنشطة التي قامت بها الجماعة الترابية خلال السنة)، بعد أن تكون كافة العمليات المالية الخاضعة للرقابة قد انتهت، وذلك للوقوف على كافة المخالفات المالية التي تكون قد وقعت فيها. والرقابة اللاحقة قد تطال مختلف المتدخلين في النشاط المالي المحلي، وتشمل إلى جانب النفقات والتكاليف، الإيرادات العامة، أما مضمونها الأساسي فهو التأكد من تطبيق المسؤولين عن التدبير المالي بالجماعات الترابية للقوانين والإجراءات والمساطر، والأنظمة المعمول بها في هذا المجال[26].

ولعل هذا النوع من الرقابة يعتبر هو الأصل، أو القاعدة التي ينبغي أن تتسم بها الرقابة على الجماعات الترابية بصفة عامة. حيث تتميز بتناسبها وملاءمتها لأساس ومرتكزات اللامركزية الإدارية الترابية كما هو متعارف عليها عالميا، وفي جميع التجارب المقارنة التي تأثر بها المغرب. والرقابة المالية اللاحقة بالإضافة إلى كونها تحقق عدة مزايا كسرعة إنجاز المشاريع والبرامج وتلافي البطء والروتين والتعقيد، ومن ثم إرساء النجاعة[27]، فإنها تتسم بالشمولية، حيث تشمل الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين، وتشمل الإيرادات والنفقات، كما أنها رقابة للمشروعية وللملائمة في الوقت نفسه.

لقد أناط القانون مهمة الرقابة الإدارية اللاحقة على مالية الجماعات الترابية بعد تنفيذ ميزانياتها، بوزارة الداخلية بدرجة أولى بصفتها الجهة الوصية الأساسية، وكذا بالوزارة المكلفة بالمالية في درجة ثانية، وذلك على مستوى ممارسة جزء من الوصاية المالية. ونظرا لأهمية تلك الرقابة مقارنة بالرقابة السابقة والمواكبة بالنسبة لمالية الجماعات المحلية، تم التفكير في إحداث أجهزة وهيآت إدارية ومالية متخصصة فيها، تابعة لهذين القطاعين. وهي: المفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشية العامة للمالية المحلية، التابعتين لوزارة الداخلية، وكذا المفتشية العامة للمالية والخزينة العامة للمملكة التابعتين للوزارة المكلفة بالمالية.[28]

ومن هنا تمارس وزارة الداخلية باعتبارها سلطة الوصاية الأصلية على المجالس المنتخبة رقابة مالية لاحقة على تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية، وذلك من خلال المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية المحلية. وتعتبر المفتشية العامة للإدارة الترابية هيئة إدارية تابعة لوزير الداخلية، وقد أسندت إليها مهام المراقبة والتحقق من التسيير الإداري والتقني والمحاسبي للمصالح التابعة لوزارة الداخلية، وكذا الجماعات المحلية وهيآتها بصفة عامة. وتباشر مهمتها مثل باقي المستشفيات العامة للوزارات، في إطار برنامج دوري يحدده وزير الداخلية، أو أعمال تفتيش استثنائية يقررها هذا الأخير. ويحظى أعضاؤها بسلطة الإطلاع على كل الوثائق التي تمكنهم من أداء مهامهم، كما أنه بإمكانهم اللجوء إلى تحقيق أو تحر يرونه ضروريا لإنجاز المهام الرقابية.

وعليه يمكن القول أن الميزة الأساسية للمفتشية العامة للإدارة الترابية، هي طابع العمومية، سواء من حيث الاختصاص أو من حيث المجال. فدورها يشمل المراقبة لمختلف أوجه التسيير الإداري والتقني والمحاسبي، كما أن مجال عملها يشمل الجماعات المحلية وهيئاتها وكذا جميع المصالح التابعة لوزارة الداخلية. وبهذا الأمر، فإن نصيب الجماعات المحلية من الدور المسند لتلك المفتشية يبقى مجالا ضمن مجالات متعددة.

وبالإضافة إلى تلك الهيئة التابعة لوزارة الداخلية، هناك هيئة أخرى تابعة لنفس الوزارة أحدثت لمراقبة مالية الجماعات الترابية وهيئاتها، ويتعلق الأمر بالمفتشية العامة للمالية المحلية. وقد أسند لها مهام متخصصة نوعا ما في الرقابة المالية على الجماعات التراب، حيث يقتصر دورها الرقابي على الشؤون فقط، دون باقي الأنشطة الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الهيئة كانت ومازالت منظمة بدورية وحيدة لوزير الداخلية، وهي صادرة بتاريخ 10 دجنبر 1993[29].

أما صلاحياتها، فهي تشمل مراقبة المشروعية والملائمة في نفس الوقت، وترتكز في مهامها على المراقبة المادية للوثائق والرسوم والبيانات، وذلك ببحث الخدمات المقدمة والبضائع المشتراة ومدى مطابقتها لخصوصيات السوق. وبالإضافة إلى مهمة ضبط المحاسبة المادية للجماعات الترابية، تتولى المفتشية العامة أيضا، القيام بمراجعة وتصحيح الضرائب والرسوم ونسب التحصيل[30]. وفي نفس الإطار، يمكن لتلك المفتشية وبحكم وظائفها أن تنظم حملات تفتيشية، وتكون تلك الحملات في الغالب تلقائية ومفاجئة، حيث تحرر محضرا بذلك، وتبعث نسخة منه إلى العامل أو الوالي الذي تقع الجماعة المعنية في نطاقه الترابي، وذلك قصد التدخل لاتخاذ التدابير اللازمة[31]. ولابد من الإشارة هنا، إلى أن مجالات تدخل هذا الجهاز الرقابي لا تقتصر على الجماعات الترابية فقط، بل تشمل هيئاتها ومجموعاتها أيضا.[32]

وإلى جانب تلك الرقابة الإدارية اللاحقة لوزارة الداخلية على المالية المحلية، هناك رقابة لاحقة للوزارة المكلفة بقطاع المالية، حيث تخضع الجماعات الترابية من جهة لرقابة المفتشية العامة للمالية التي تتمتع باختصاص عام، ومن جهة أخرى لرقابة الخزينة العامة للمملكة التي تمارس رقابة تكتسي طابعا خاصا من حيث الدور والمهام. هذا وتعتبر المفتشية العامة للمالية، هيئة عليا تابعة لوزارة المالية، بل هي أهم جهة في ترسانتها الرقابية لكونه جهاز افتحاص مستقل ومتخصص في الرقابة على المال العام.

ومن خلال الظهير المحدث للمفتشية العامة للمالية، يظهر أنها مكلفة بإجراء تحقيقات في التسيير، وبمراقبة المحاسبين العموميين، والآمرين بالصرف، وكذا جميع مستخدمي الجماعات المحلية، وبصفة عامة يمتد عملها إلى كل ما يهم الشؤون المالية المحلية[33]. وتتمتع تلك المفتشية بسلطة تفتيش واسعة تشمل مراقبة مصالح الصندوق والمحاسبة وغيرها، وتقوم بممارستها على شكل دوريات مفاجئة تسجل نتائجها في محاضر، حيث تختتم بتقارير مكتوبة تبلغ إلى المعنيين بالأمر قصد الإدلاء بالتوضيحات والأجوبة بخصوصها. هذا وتحتل تلك التقارير أهمية بالغة سواء من حي مضمونها أو آثارها، فهي تعكس الكيفية التي تم بها تنفيذ الميزانية المحلية[34].

هذا باختصار عن رقابة المفتشية العامة للمالية، أما بالنسبة للخزينة العامة للمملكة فهي تمارس رقابة لا تقل عنها أهمية، حيث إن تعاظم دور الخزينة العامة للمملكة وبالخصوص في تتبع تنفيذ النفقات لو يقتصر على المستوى المركزي فقط. بل تطور واقعيا على المستوى المحلي أيضا، بحيث غالبا ما توصف تلك الرقابة اللاحقة التي تمارسها على تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية بالرقابة التسلسلية المدققة. فالخازن العام للمملكة يعتبر بمثابة الرئيس التسلسلي لمحصلي المالية الإقليميين والجهويين، وكذلك بالنسبة للقباض الجماعيين. إذ أن المرسوم المتعلق باختصاصات وتنظيم وزارة المالية أسند له مهمة مراقبة محاسبي الدولة والجماعات المحلية في الوقت نفسه. وبتلك الصفة تتولى الخزينة العامة للمملكة من خلال مصالحها مراقبة التدبير المالي للمحاسبين بالجماعات الترابية، كما تقوم بتصفية حساباتهم قبل تقديمها للمحاكم المالية، وبإمكانها أن تبرئ ذمة المحاسب كما بإمكانها عكس ذلك. وفي إطار المفهوم الواسع للمراقبة، يتمكن الخازن العام أيضا من خلال النظر في الشكليات المقدمة إليه، من تقييم عمل المحاسبين والبحث عن تجاوز المشاكل الموضوعية التي قد تتضمنها تلك الشكليات، والاستفادة منها في إطار تحسين تدبير الميزانيات المختلفة[35].

وجدير بالإشارة هنا، أن الرقابة الإدارية اللاحقة لتفتيش ميزانيات الجماعات الترابية، قد تم دعمها وتكريسها أكثر من خلال القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، بل قد تمت مأسستها وجعلها تجري في جزء منها بشكل دوري، وذلك في كل سنة مالية. حيث نص القانون التنظيمي للجهات بصريح العبارة على أن “تخضع العمليات المالية والمحاسبية للجهة لتدقيق سنوي تنجزه بشكل مشترك المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، ويتم إجراء هذا التدقيق في عين المكان وبناء على الوثائق المالية والمحاسباتية”. على أن ينجز لتلك الغاية تقرير تبلغ نسخ منه إلى رئيس مجلس الجهة وإلى وزارة الداخلية أو ما يسمى في القوانين التنظيمية الجديدة بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، وذلك عن طريق والي الجهة، وكذا إلى المجلس الجهوي للحسابات الذي يتخذ ما يراه مناسبا في ضوء خلاصات تقارير التدقيق. ويتعين على الرئيس تبليغ نسخة من التقرير المنجز إلى مجلس الجهة الذي يمكنه التداول في شأنه دون اتخاذ مقرر[36].

وإذا كان القانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم في هذا الإطار، قد جاء بمادة تقريبا هي نسخة طبق الأصل للقانون التنظيمي للجهة -والفارق بينهما هو العامل الذي يوجه إليه تقرير التدقيق مكان ما يسمى بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية فقط[37]– فإن القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات جاء ببعض التغيرات في هذا الصدد. حيث نص على أن ينجز التقرير السنوي وفق سيناريوهات متعددة، فهو إما ينجز من طرف المفتشية العامة للمالية أو من قبل المفتشية العامة للإدارة الترابية، أو بشكل مشترك بينهما. أو بتشكيلة أخرى من قبل هيئة للتدقيق يتم انتداب أحد أعضائها وتحدد صلاحياتها بقرار مشترك من طرف ما يسمى بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية[38].

إن القوانين التي جاءت تدعيما لنمط المراقبة الإدارية الممارسة على الجماعات الترابية، لم تحدد كيفية إجراء التدقيق ولا مدته ولا حتى وقته في أي فترة من السنة، وهو أمر إيجابي وسلبي في نفس الوقت، ففي الوقت الذي قد يُؤدي هذا الأمر إلى الاستعداد الدائم والمستمر للتدقيق من قبل المصالح المعنية بالجماعات الترابية المختلفة، ومن ثم تجنب مظاهر النقص والاختلال المالي، قد يحدث أن تتعرض الجماعات الترابية للرقابة في وقت غير مناسب لها بحيث ينجز التدقيق بشكل مستعجل لا يحقق أهدافه التي أحدث من أجلها.

ومن خلال ما سبق عموما، يظهر أن هذا النوع من الرقابة التي يبدأ بعد تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية، لئن كان يأتي أحيانا بعد فوات الأوان، وبعد أن تكون الواقعة المخالفة قد تكرست على مستوى الواقع، مما يحول دون تصحيحها في الوقت المناسب. فإن هذه الرقابة بعد التنفيذ بالمقابل، لا يؤدي إلى عرقلة عمل الجماعات الترابية أثناء التنفيذ أو قبله، وهو يدخل في سياق التدقيق والمراجعة البعدية، حيث يمكن من الإحاطة بجميع جوانب التصرف المالي للجماعة الترابية المعنية، وبالتالي تكون النتائج التي تم التوصل إليها مبنية على أساس أقرب إلى الحقيقة من غيرها.

لائحة المراجع

أولا: المراجع بالعربية

الكتب:

الأطروحات والرسائل:

النصوص القانونية:

المراسيم:

الدوريات:

ثانيا: المراجع بالفرنسية


[1]– عماد أبركان، نظام الرقابة على الجماعات الترابية ومتطلبات الملاءمة، مطبعة الأمنية، الرباط، سلسلة البحث الأكاديمي، منشورات مجلة العلوم القانونية، الإصدار الثالث عشر، الطبعة الأولى،2016، ص. 75.

[2]– عبد اللطيف بروحو، المرافق العمومية المحلية بين التدبير المفوض وشركات التنمية المحلية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 104، ماي/ يونيو، 2012، ص. 28.

[3]– جمال العماري، “الرقابة على أنشطة الجماعات الترابية المحلية”، مطبعة الأمنية الرباط، منشورات زاوية، الطبعة الأولى 2012، ص17.

[4]– ميمونة هموش، الوصاية على أعمال الجماعات، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة  محمد  الخامس كلية الحقوق أكدال الرباط، 2006/2007، ص. 194 وما بعدها.

[5]– أنظر دورية وزير الداخلية رقم 17.م.ع.ج.م بتاريخ 14 يناير 1993 الموجهة إلى السادة ولاة الرباط وسلا والدار البيضاء الكبرى وفاس ومراكش ومكناس، وعمال عمالات وأقاليم المملكة حول تسيير الجماعات المحلية وهيئاتها: تطبيق النظام المالي والمحاسبي. المصدر: المديرية العامة للجماعات المحلية الرباط.

[6]– عبد اللطيف بروحو، مرجع سابق، ص 54 و55.

[7]-Abderrahmane HADDAD, « Les prévisions budgétaires des collectivités locales au Maroc ». Publications  REMALD, N° 60, Janvier- Février, 2005, p 24.

[8]-Tarik ZAIR , “Propos sur l’existence de la responsabilité politique en droit de la décentralisation”, Publications REMALD, N° 83, Novembre-Decembre, 2008, p 101.

[9]– عبد الفتاح بلخال، “عن المالية العامة والتشريع المالي المغربي”، طبعة فضالة الدار البيضاء، بدون دار النشر، الطبعة الأولى 2005، ص. 265.

[10]– تنص المادة 6 من القانون 00-78 المتعلق بالميثاق الجماعي المشار إليه سابقا، والمادة 7 من القانون رقم 00-79 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم، المشار إليه سابقا. على أنه “يجتمع المجلس… تحت رئاسة العضو الأكبر سنا من بين أعضائه الحاضرين ويتولى العضو الأصغر سنا من بين أعضاء المجلس الحاضرين، ممن يحسنون القراءة والكتابة مهمة كتابة الجلسة ويحرر المحضر المتعلق بها …”. الأمر الذي يعني وبلاشك أن هناك من بين أعضاء المجلس الحاضرين، من لا يحسن حتى القراءة والكتابة. أما المادة 10 من القانون رقم 96-47 المتعلق بتنظيم الجهات، فقد اكتفت بالنص على أنه “يجتمع المجلس…. تحت رئاسة العضو الأكبر سنا، ويتولى العضو الأصغر سنا مهمة الكتابة الجلسة ويحرر المحضر المتعلق بها”.

[11]-Mohammed El YAAGOUBI, « Les tribunaux administratifs et le développement local au Maroc », REMALD, p.23.

[12]– المادة 41 من الظهير الشريف الصادر بتنفيذ القانون رقم 08-45 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، الجريدة الرسمية عدد 5711، 23 فبراير 2009.

[13]– أنظر المادة 202 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، والمادة 180 من القانون من القانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم، والمادة 189 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات.

[14]– عبد  اللطيف بروحو، مرجع سابق، ص 72.

[15]– نصير مكاوي: “تدبير مالية الجماعات المحلية”، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2011، ص 90.

[16]– القانون رقم 08-45 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، المشار إليه سابقا.

[17]– ظهير 1976، بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية وهيئاتها، المشار إليه سابقا.

[18]– المادة 18 من القانون رقم 08-45 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، المشار إليه سابقا. مقارنة بالفصل 13 من ظهير 1976، بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية هيئاتها المشار إليه سابقا.

[19]-Abdelfattah BENNANI , « L’agent comptable au Maroc », publication REMALD. 1998, p 134.

[20]– المرسوم الصادر في 3 يناير 2010، يسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعاتها، المشار إليه سابقا.

[21]– المرسوم رقم 2.12.349 الصادر في 8 جمادى الأولى 1434، الموافق ل 20 مارس 2013، يتعلق بالصفقات العمومية، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6140، في جمادى الأولى 1434، الموافق ل 4 أبريل 2013، ص 3023.

[22]– المادة 32 من المرسوم الصادر في 3 يناير 2010، يسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعاتها، المشار إليه سابقا.

[23]– نصير مكاوي، مرجع سابق، ص 89.

[24]– عماد ابركان، نظام الرقابة على الجماعات الترابية ومتطلبات التنمية، سلسة البحث الأكاديمي، منشورات مجلة العلوم القانونية، الطبعة الأولى، ص. 90.

[25]– نفس المرجع، نفس الصفحة.

[26]– عماد ابركان، مرجع سابق، ص83.

[27]– نصير مكاوي، مرجع سابق، ص 90.

[28]– سعيد جعفري، ما الحكامة، مطبعة الأمنية، الرباط، 2014، ص 146 وما بعدها.

[29]– عماد ابركان، مرجع سابق، ص. 94

[30]– المهدي بلمير، الجماعات المحلية والممارسة المالية بالمغرب، مطبعة الوراقة الوطنية بمراكش، الطبعة الأولى، 2009، ص. 176 و177.

[31]– سعيد جعفري، مرجع سابق، ص 99.

[32]– عبد اللطيف بروحو، مرجع سابق، ص 104.

[33]– أنظر الظهير الشريف رقم 269.59.1 بشأن المفتشية العامة للمالية، الصادر في 17 شوال 1379، 15 أبريل 1960، ج.ر. 2478.

[34]– عبد اللطيف بروحو، مرجع سابق، ص. 99.

[35]– سعيد جعفري، مرجع سابق، ص 180.

[36]– المادة  227 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، المشار إليها سابقا.

[37]– المادة  205 من القانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم، المشار إليها سابقا.

[38]– المادة 214 من القانون المتعلق بالجماعات، المشار إليها سابقا.

Exit mobile version