Site icon مجلة المنارة

المداخل التدبيرية والمالية لتقييم السياسات العمومية بالمغرب

المداخل التدبيرية والمالية لتقييم السياسات العمومية بالمغرب

ياسر عاجل، باحث بسلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس

مقدمة :

تعتبر مرحلة التقييم آخر مراحل صناعة السياسات العمومية وتشمل العديد من الجهات الفاعلة كل منها يحتل مكانا معين، ويلعب دورا محدد في عملية التقييم، وعليه يجب أن تتضمن السياسة العمومية في مرحلة التنفيذ مؤشرات الإنجاز التي تحدد درجة نجاح السياسة العمومية في تحقيق النتائج المنتظرة.

  يعرف القانون الداخلي لمجلس النواب في المملكة المغربية في بابه الثامن،  التقييم على أنه نشاط يهدف، من خلال إجراء الأبحاث والتحاليل و تشخيص نتائج السياسات والبرامج العمومية وقياس آثارها على الفئات المستهدفة والمجتمع، وكذا قياس مستوى تحقيق الأهداف المخطط لها وتحديد العوامل التي مكنت من تحقيق هذه الأهداف. وبالتالي يمكن تعريف التقييم[1] بأنه مبتغى لقياس الأثر الفعلي للسياسات العمومية.

ومن خلال هذا التعريف فكل المهتمين يتفقون على القول أن التقييم يغطي تقنيات أوسع من مراقبة التدبير العمومي، وهذا اتساع يظهر من خلال مستويين[2] :

  فمند الستينيات القرن الماضي والعديد من الدول (كندا والمملكة المتحدة، فرنسا، سويسرا) اقتنعت بالأهمية الإقتصادية والسياسية والتقنية لعملية تقييم البرامج التنموي، نظرا لما تتيحه من تدبير أمثل للموارد، وتدبير استراتيجي للبرامج، بالإضافة تعزيز متطلبات شفافية الفعل العمومي[3].

  والمغرب ليس بمنأى عن باقي الدول، حيث تم التكريس لوظيفة التقييم انطلاقا من دستور 2011 للبرلمان، تماشيا مع تعزيز العمل البرلماني في مواكبة حصيلة العمل الحكومي، وفق ما نص عليه الفصل 70 من الدستور في فقرته الثانية ” يمارس البرلمان السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة”، إضافة إلى تنصيص الفصل 101 الدستور على تخصيص جلسة سنوية من قبل البرلمان لتقييم السياسات العمومية. ترتيبا لما سبق يمكن القول أن الدستور المغربي وضع اللبنات الأساسية لمأسسة عملية تقييم السياسات العمومية بالمغرب.

  وعلى هذا الأساس يسعى التقييم في جانب من أبعاده للتحصيل والتحليل النظامي للمعلومات حول المردودية الحقيقية لسياسة عمومية أو برنامج ما، وبذلك فهو يرتكز على تحليل نجاعة السياسة أو البرنامج وتقدمه ونجاحاته، وفاعليته من ناحية التكلفة[4]، أو بمعنى آخر أنه يهدف التقييم إلى إنجاز أبحاث وتحاليل دقيقة بهدف التعرف على نتائج السياسات والبرامج العمومية، وقياس آثارها على الفئات المعنية وعلى المجتمع، كما يهدف إلى معرفة مستوى الإنجاز الذي تم تحقيقه قياسا بالأهداف المرسومة وتحديد العوامل التي مكنت من بلوغ تلك الأهداف. وذلك بغاية إصدار توصيات وتقديم اقتراحات بشأن التحسينات التي يمكن إدخالها على السياسة العمومية موضوع التقييم[5].  

أهمية الموضوع :

  تظهر اهمية الموضوع في كون تقييم السياسات العمومية أصبح ضرورة ملحة بالنظر إلى الإشكاليات المرتبطة بعقلنة القطاع العمومي وتدبير أدائه.

أهداف الموضوع :

مــن خــلال ممارســة البرلمان لوظيفــة تقييــم السياســات العموميــة، ترتكــز آليــات التقييــم على إخضــاع التدخلات العمومية إلى  الدراسـة والتحليـل الآثر، إضافـة إلى مناقشــة مختلــف المعطيات المتعلقة بالسياســات العموميــة وإخضاعهــا إلى المساءلة، وكـذا تقديم مقترحات تهم تحسين السياسة العمومية موضوع التقييم سواء من خلال تكريس المراجعة الشاملة لأهداف السياسة العمومية  أو تعديل جزء منها. كمــا يقوم التقييــم البرلماني للسياسات العمومية علــى تغذية النقــاش العمومي المرتبط بالعمل الحكومي والوقوف عن مدى نجاعة وفعالية السياســات الحكومية وقدرتها علــى تحقيق الآثار المرجوة علــى الفئات المستهدفة.

  عناصر عملية التقييم :

إن مخرجــات أو نتــائج السياســيات العموميــة تعــد بمثابــة عناصــر أساســية تسـتعمل في عمليـات التقييـم، وتصلـح لقيـاس مـا إذا كانـت السياسـة العموميـة قــد أنتجــت فعــلا مــا كان متوقعــا منهــا مــن نتــائج وأهــداف[6] وآثــار. وعلــى هــذا الأسـاس تعتـبر عناصرالتقييم أدوات لقيـاس مردوديـة السياسـة العموميـة وتحليـل كلفتهـا ونجاعتهــا. وهي كالتالي :

الإشكالية :

 من أجل تفعيل عملية التقييم يتطلب الأمر اتباع منهجية معينة تمر عبر مسار واضح ينتج من خلال آثار قابلة للمقارنة بين ما هو قائم مع ما ينبغي أن يكون،لذلك يمكن طرح الإشكالية التالية :

إلى أي حد عملت المقتضيات القانونية في تجويد وظيفة تقييم السياسات العمومية بالمغرب بغية عقلنة النشاط العمومي؟

فهذه الإشكالية تتفرع عنها مجموعة من الأسئلة الفرعية وهي كالتالي :

ومن خلاله يمكن تناول الموضوع وفق التصميم أسفله، وإن كان يبدو مخالفا لتصميم اللاتيني إلا انه سيمكن من ملامسة أهم النقاط الأساسية المرتبطة بالموضوع  :

وترتيبا لما سبق سنحاول معالجة هذا الموضوع  في أربع  نقاط أساسية، الأولى تتعلق بتحديد فترات إجراء التقييم (أولا)، والثانية تهم توضيح أسئلة ومعايير تقييم السياسات العمومية (ثانيا)، وسنوضح كذلك مراحل تقييم السياسات العمومية من قبل البرلمان المغربي (ثالثا)، وأخيرا سنتناول التقييم المالي للسياسات العمومية وفق القانون التنظيمي رقم 130.13( رابعا). 

أولا : فترات التقييم داخل دورة السياسات العمومية.

 إن عملية التقييم تساعد البرلمانيين بشكل أو بآخر على الأسئلة المرتبطة بدورة السياسات العمومية، أي من مرحلة دخول المشكل إلى الأجوندا السياسية، إلى حصيلة تنفيذ السياسة، سنوضح ذلك وفق الشكل التالي :

الشكل رقم 1[7]

انطلاقا من هذه الخطاطة يمكن قول أن هناك ثلاث مراحل زمنية للتقييم :

 تقييم قبلي أو استشرافي الذي من خلاله يتم تحديد أثر السياسة العمومية المقترحة لمعالجة المشكل العمومي من الناحية المالية والاجتماعية والبيئية، قبل البدء في تنفيذها، وكذلك معرفة آثرها على السياسات العمومية الأخرى.

تقييم متزامن أو مصاحب لعملية تنفيذ السياسات العمومية وهو إجراء يقوم على تعديل تدبير في طور التنفيذ.

 تقييم بعدي أو لاحق الذي يركز على حصيلة تطبيق السياسة العمومية سواء كانت آثرها متوقعة أم غير متوقعة.   

ثانيا : تحديد أسئلة ومعايير قابلية السياسات العمومية للتقييم البرلماني.

 إن عملية تحديد أسئلة ومعايير تقييم السياسة العمومية من شأنها أن تمكن قياس جميع المحاور المرتبطة بالسياسة العمومية، فالسؤال التقييمي هو ســؤال يطرحــه المكلف بعمليــة التقييــم في وثيقــة التفويــض  لعملية التقييم، ويؤخــذ بعــين الاعتبــار مــن قبــل مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالتقييــم مــن أجــل الإجابــة عليــه. وهذه الأخيرة تعتمد على معايير تقييم السياسات العمومية قصد الإجابة على كل سؤال تقييمي تم طرحه.  

  بالنسبة للأسئلة التقييمية تنصب نحو دراسة مدى تطابق أهداف السياسة العمومية مع انتظارات الفئات المستهدفة ، حيث وتمتــاز أســئلة التقييــم بثــلاث خصائــص: الخاصيــة المعرفيــة (مــاذا حـدث؟) والخاصيـة المعياريـة (هـل الأثـر مقبـول؟) والخاصيـة الأداتيـة( مــا هــي التحســينات الــي ينبغــي القيــام بهــا؟)[8].

 وعليه تنقسم أسئلة التقييم إلى ثلاث أنواع[9]:

أسئلة وصفية : هي الأسئلة التي تقدم وصفا للمجال المقيم (مثلا ماهي التغيرات التي عرفتها المسالك الطرقية بالمجال القروي منذ تنزيل أهداف البرنامج الوطني للطرق الثاني على أرض الواقع؟).

أسئلة معيارية : هي التي تربط بين الوضع الراهن للمجال المقيم مع ما ينبغي أن يكون عليه. هل تتلائم الآليات المستعملة لتنفيذ البرنامج الوطني الثاني للطرق مع الوسائل …؟

أسئلة سببية : تهدف إلى تحديد أسباب الوضع الراهن للمجال المقيم وإبراز العلاقات بين الأسباب والنتائج مثال : هل أدى تنفيد خطط البرنامج الوطني للطرق الثاني إلى تعزيز الإلتقائية بين مختلف الجهات المتدخلة في فك العزلة عن المناطق القروية والجبلية؟    

 بعد تحديد هاته الأسئلة التقييمية يعتمد فريق التقييم على مجموعة من المعايير لتحليل وتجميع المعطيات من أجل إصدار حكم قيمة، وذلك من خلال استناد المقيم للسياسات العمومية على معايير التقييم حيث يمكنه أن يقف على الفرق بين النتيجة الفعلية للسياسات العمومية المنفذة و بين التصور النظري لتلك السياسة. ولعل أبرز هذه المعايير هي كالتالي :

وبالتالي حينما نقول بأنها سياسات ملائمة، فإن هذا يقتضي النظر فيما إذا كانت أهدافها قد تم تكييفها مع التوزيع الومني والسوسيو-مجالي للمشكلة التي من المفترض أنها تسعى لعلاجها[10].

  ثالثا : مراحل تقييم السياسات العمومية. 

  ترتكز عملية تقييم السياسات العمومية على مسار واضح قصد التحضير للجلسة السنوي المخصصة لمناقشة وتقييم السياسات العمومية وفق ما جاء في النظامين الداخليين لمجلس النواب والمستشارين(1) اضافة إلى تطبيق المراحل العملية المؤطرة لوظيفة تقييم السياسات العمومية(2).

  1. تنظيم التقييم في غرفتي البرلمان.

   يوضح النظامين الداخليين لغرفتي البرلمان تدابير تنفيذ عملية تقييم السياسات العمومية، ويمكن توضيح ذلك في الخطاطة التالية:

شكل رقم 2[14]

 

ترتيبا لما سبق، يمكن القول أن صلاحيات غرفتي البرلمان في مجال التقييم موجودة في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، إلا أنه نلاحظ أن مجلس النواب يكرس آلية تحليل قابلية إنجاز التقييم للمواضيع المقترحة من قبل الفرق البرلمانية وفقا لمعايير سياسية وسياقية وتقنية وقطاعية…إلخ التي تضطلع بها الوحدة التقنية، ومن هنا تأتي ضرورة وضع خطوة إضافية داخل النظام الداخلي لمجلس المستشارين في المادة 265 ، حيث حينما تقترح المجموعات البرلمانية مواضيع السياسات العمومية المراد تقييمها يجب أن تنطوي عملية الاختيار النهائي لموضوع التقييم من قبل الوحدة التقنية للتقييم وبتنسيق مع مجلس النواب.

إن وظيفية التقييم المخولة دستوريا إلى برلمان تتم عبر مجموعة من الإجراءات والتدابير العملية  نظرا لتعدد المتدخلين في تنفيذها، فمثلا مكتب مجلس النواب يقوم ببرمجة عمليات التقييم واللجنة النيابية لتقييم السياسات العمومية تناط بها مهمة الإشراف على إجراءات التقييم، بالمقابل تهتم الوحدة التقنية بتجميع المعطيات والتقارير التقنية ثم تحليلها ومساعدة مجموعة العمل الموضوعاتية على ممارسة مهامها التقييمية.

  وعليه، بالنظر إلى طبيعة وخصوصية مسطرة تقييم السياسات العمومية فإن هذه الأخير تمر عبر مجموعة من المراحل العملية والتي سنوضحها على النحو التالي :

المرحلة الأولى : برمجة عمليات التقييم وهي مرحلة يختص  يتم من خلالها تحديد السياسات العمومية موضوع التقييم بتنسيق مع الفرق النيابية، وفق معايير السياقية والتقنية والسياسية والفعالية والملائمة. بعد ذلك يتم التحديد النهائي لموضوع التقييم و وضع برنامج السنوي للتقييم والكلفة المالية المخصصة لذلك والمدة الزمنية لإنجاز التقييم.

المرحلة الثانية : اشراف اللجنة النيابية على عملية تقييم السياسات العمومية قياسا بالجدولة الزمنية  المحددة مسبقا، إضافة إلى إجراء التعديلات الضرورية التي يتعين انجزها وفق الصعوبات التي تمت مواجهتها سواء على مستوى مجال التقييم أو المجموعات المستهدفة، وأخيرا الوقوف على مدى التزام الحكومة بالتوصيات الصادرة عن عملية التقييم.

  قبل الشروع في توضيح المرحلة الموالية لابد من الإشارة إلى أن المراحل التي سنشير إليها فيما بعد تختص بها مجموعة عمل الموضوعاتية بمعية الوحدة التقنية التي تعتبر بمثابة الجوانب العملية لممارسة وظيفة تقييم السياسات العمومية[15].

  المرحلة الثالثة : تتعلق بإعداد مذكرة تقييمية تحدد التصور العام والأهداف المبرمجة بالنسبة لمهمة التقييم، ويجب أن تتضمن هذه المذكرة النقاط التالية[16] :

المرحلة الرابعة : صياغة الشروط المرجعية لعملية التقييم التي تهدف بالأساس إلى توضيح بالتفصيل للخطوط العريضة التي تم ذكرها مسبقا في المذكرة التقييمية. حيث يتم وصف السياق الذي أدى إلى تبني السياسة العمومية وإطارها القانوني من أجل فهم بشكل أفضل المشكلات التي أدت إلى إطلاق السياسة العمومية الخاضعة للتقييم. وكذلك توضيح أهداف تقييم تلك السياسة والمناهج المعتمدة في تجميع المعطيات الرسمية والموثوقة، ثم تنظيم جلسات للإستماع المتخصصين ذوي الخبرة في المجال المقيم للإدلاء بالمعلومات.

المرحلة الخامسة :  جمع المعطيات وتحليلها، تعد من مهام الوحدة التقنية لتقييم السياسات العمومية، حيث تقوم بجمع الوثائق وإجراء المقابلات والشروع في التحقيق من خلال استقصاء الآراء وجمع الإحصائيات، ولابد من جمع البيانات من جميع المصادر المتاحة حتى يتمكن من استخدام طرق التحليل النوعية والكمية[17].

المرحلة السادسة : صياغة تقرير التقييم، عقب الانتهاء من عملية تحليل المعطيات المجمعة، تأتي مرحلة اصدار حكم قيمة بناءا على نتائج التحليلات المرتبطة بكل سؤال تقييمي تم طرحه مسبقا وله علاقة بموضوع السياسة العمومية الخاصعة للتقييم.

المرحلة السابعة : صياغة التوصيات، بناءا على نتائج تقرير التقييم تضطلع اللجنة النيابية لتقييم السياسات العمومية بدراسة ومناقشة مخرجات تقرير التقييم، وتجميع محاور السياسة العمومية الخاضعة للتقييم، وعقب ذلك ترفع التوصيات إلى مكتب مجلس النواب من أجل إضفاء الطابع الرسمي عليها ومناقشتها خلال الجلسة السنوية المخصصة لتقييم السياسات العمومية. والشكل أسفله يوضح مراحل عملية تقييم السياسات العمومية :

شكل رقم 3[18]

رابعا: التقييم المالي للسياسات العمومية وفق القانون التنظيمي رقم 130.13.

   في سياق الدستور المغربي يمكن التمييز بين شقين أساسين لتقييم السياسات العمومية بالمغرب، ويعتبران متكاملين ومتناسقين وظيفيا، فالشق الأول تطرقنا له سالفا، والمتعلق بتقييم البرلمان لسياسات العمومية ( الفصل 70 من الدستور)، والشق الثاني يتعلق بالمساعدة التي يحظى بها البرلمان من قبل المجلس الأعلى للحسابات، خاصة فيما يتعلق بتقييم المالية العمومية ( الفصل 148 من الدستور)، لأن التقييم المالي للسياسات العمومية يرتبط بشكل أو بآخر بتحليل الكلفة المالية المخصصة لتنزيل الميزانياتي للسياسات العمومية، أو بمعنى أخر معرفة مدى تحقيق النجاعة والفعالية في التدبير المالي للبرامج والمخططات التنموية.

  بالموزاة مع ذلك، تشكل قوانين المالية فرصة مواتية لإجراء تقييم مالي لكلفة السياسات العمومية وللأموال العمومية التي تتصرف فيها الأجهزة العمومية، وهذا التتقييم يوضع رهن إشارة الترخيص البرلماني، حيث يطلع على حجم الاقتطاعات الضريبية والاعتمادات المرصودة لتغطية التكاليف العمومية حيث يرصد تطورها، وتوزيعها بين القطاعات والجهات والبرامج[19].

وهكذا، يجب أن تكون للبرامح العمومية مؤشرات لقياس النتائج المحققة، وهذا ما نصت عليه المادة 39 في فقرتها الألى من القانون التنظيمي رقم 130.13[20] بأن البرنامج عبارة عن مجموعة متناسقة من المشاريع أو العمليات لنفس القطاع الوزاري أو المؤسسة تقرن به أهداف محددة وفق غايات ذات منفعة عامة، وكذا مؤشرات مرقمة لقياس النتائج المتوخاة والتي ستخضع للتقييم قصد التحقق من شروط الفعالية والنجاعة والجودة المرتبطة بالانجازات.

  وتروم هذه المادة إلى تحديد مجموع كلفة البرامج والمشاريع العمومية التي تم الترخيص عليها من قبل البرلمان، كما يتعزز هذا المنحى من خلال أجرأة عملية تقييم السياسات العمومية، وفق الفقرة  الثالثة من نفس المادة المذكورة أعلاه، الـتـي نصــت علــى إعـداد مشـروع نجاعـة الأداء مـن قبـل كل قطـاع وزاري، ويقـدم للجنـة لبرلمانية المختصة بمناسـبة مناقشـة القانـون المـالي والميزانيات القطاعيـة. خاصة و أن الفصل  76 من الدستور نص على أحكام تقديم مشروع قانون التصفية[21]، الذي يرفق بوثائق[22] توثق صلة تقييم السياسات العمومية بالمالية العامة، ولعل أهمها التقرير السنوي حول نجاعة الأداء المعد من طرف وزارة المالية وتقرير افتحاص نجاعة الأداء، على اعتبار أن مضامين تلك الوثائق تتلاقى وتتقاطع مع آليات انجاز تقييم للسياسات العمومية بما يجعل مضمون المادتين 39 و 66 من القانون التنظيمي لقانون المالية يندرج ضمن التقييم المتعلق بالمالية العمومية.

  وفي الأخير يمكن القول أن قانون التصفية لا يسمح فقط بمقارنة الإنجازات بالتوقعات الميزانياتية واستكشاف أوجه القصور والخلل في الأداء المالي للحكومة ورصد الإكراهات والصعوبات التي حالت دون تنفيذ قانون مالية السنة وفق الصيغة التي اعتمد على أساسها، بل يتيح إمكانية التأكد من مدى صدقية المؤشرات والمعطيات التي اعتمدت عليها الحكومة لبلورة القانون المذكور[23].

 خاتمة :

وعليه يمكن القول أن عملية التقييم البرلماني للسياسات العمومية ترمي إلى قياس المؤشرات المحددة مسبقا ضمن السياسة العمومية مقارنة مع النتائج المحققة ورضى الفئات المستهدفة، حيث أصبح التقييم توجها رئيسيا في نسق تدبير السياسات العمومية قصد تطوير الفعل السياسي والنقاش الديمقراطي وعقلة الأداء الحكومي على مستوى إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، إضافة إلى تحقيق الوعي بالاضطرابات التي قد تحدثها بعض السياسات العمومية.

  إن دراسة موضوع تقييم السياسات العمومية بالمغرب يطرح في جميع المجالات، كونه يحقق نوع من التماسك والاندماج بين كافة التدخلات العمومية ويحدد بشكل محايد فعالية ونجاعة اختيارات السياسية الحكومية.


[1]Andysmith »L’EVALUATION
DES
POLITIQUESPUBLIQUESDANS
UNE
FRANCE
DÉCENTRALISÉE
INSTITUTIONS,
MARCHE
ET
PROFESSIONNELS » thése pour le doctorat en sciences politiques UNIVERSITÉ
MONTESQUIEU
BORDEAUX
IV
/
SCIENCES
PO
BORDEAUX ÉCOLE DOCTORALE
DE
SCIENCE
POLITIQUE
DE
BORDEAUX ; année universitaire 2010, page 20 .

[2]  بيير ميلر ” السياسات العمومية” ترجمة عبد المالك إحزرير، مطبعة مكتبة سجلماسة، طبعة 2018، الصفحة، 118.

[3]  يوسف وقسو ” البرلمان والسياسات العمومية بالمغرب : مساهمة في مساءلة دور المؤسسة البرلمانية في تدبير القرار العام” بحيث لنيل دبلوم الماستر في قانون المنازعات، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية بمكناس، السنة الجامعية 2014-2015، الصفحة 122.

[4]  عبد الغني بامو، مداخل مساهمة المحاكم المالية في تقييم السياسات العمومية بالمغرب” المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 137، نونبر دجنبر، 2017، صفحة 230.

[5]  المادة 288 من النظام الداخلي لمجلس النواب الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 2017.

[6] Abderrazak el hiri «  la constitutionalisation de l’évaluation des politiques au maroc « REMALD, numéro 102, janvier – février,2012, page, 44.

[7] تركيب شخصي.

[8]  الاطار المرجعي لتقييم السياسات العمومية، منشورات مجلس النواب، الصفحة 67.أنظر الرابط التالي http://www.chambredesrepresentants.ma/sites/default/files/cadre_referentiel.pdf

[9]  الإطار المرجعي لتقييم السياسات العمومية، منشورات مجلس المستشارين، الصفحة 31.32.

[10]  علي الحنودي، دراسة السياسات العمومية،مطبعة rive imprimerie، طبعة 2016، الصفحة 156

[11]  على الحنودي، مرجع سابق، الصفحة 158.

[12]  عرض نجيب الخدي الكاتب العام لمجلس النواب حول ” تقييم السياسات العمومية من طرف البرلمانات : حالة مجلس النواب بالمملكة المغربية” منشور على الرابط التالي https://www.asgp.co/sites/default/files/%D8%B9%D8%B1%D8%B6%20%D8%B0%20%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AF%D9%8A%20%D8%AA%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9%20-%20%2031%20%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3.docx تاريخ الإطلاع 11-12-2019 .

[13]  عرض نجيب الخذي، مرجع سابق.

[14] تركيب شخصي.

[15]  الإطار المرجعي لتقييم السياسات العمومية لدي مجلس النواب، الصفحة 79.

[16] Commissariat général du Plan GUIDE POUR LA PREPARATION ET LA CONDUITE D’EVALUATIONS REGIONALES Version 3, juin 2003,page 6.

[17]  الاطار المرجعي لتقييم السياسات العمومية لدى مجلس المستشارين، الصفحة 38.

[18]  تركيب شخصي.

[19]  سي محمد البقالي ” الكتلة الدستورية للمالية العمومية : محاولة لرصد المرتكزات الدستورية لقانون المالية”، مطبعة البصيرة، الرباط، طبعة 2017، الصفحة 133.

[20]  ظهير شريف رقم 1.15.62 صادر في 14 من شعبان، 1436(2 يونيو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية.

[21]  كما نصت المادة 65 من القانون التنظيمي رقم 130.13، ” طبقا للفصل 76 من الدستور، يودع مشروع قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية سنويا بالأسبقية بمكتب مجلس النواب في أجل أقصاه نهاية الربع الأول من السنة الثانية التي تلي سنة تنفيذ قانون المالية المعني”.

[22]  المادة 66 من القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13.

[23]  عسو منصور” قانون الميزانية العامة ورهان الحكامة المالية الجيدة”، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط، الطبعة الأولى، أكتوبر 2017، الصفحة، 345.

Exit mobile version