موقف القضاء من قرارات الاقتطاع من راتب الموظف المضرب

موقف القضاء من قرارات الاقتطاع من راتب الموظف المضرب

هشام بياض / باحث في الدراسات القانونية والإدارية والسياسية

رجوعا إلى مواقف الاجتهاد القضائي في المغرب فيما يخص الإضراب نسجل أولا ندرة في الأحكام في هذا الاتجاه ثم ثانيا تضارب في مواقف هذا الاجتهاد القضائي وهكذا سنتناول من خلال هذه المواقف كلا من الموقف المعارض للإضراب وبالتالي شرعية الاقتطاع من الراتب ثم إلى الاتجاه المؤيد للإضراب و و بالتالي عدم شرعية الاقتطاع ثم إلغاء قرار الاقتطاع من الأجور بعد تنفيد الإضراب من طرف المحكمة الإدارية بالرباط  .

أولا : الاجتهاد القضائي المعارض لممارسة حق الإضراب والمشرعن للإقتطاع

مما لا جدال فيه إن القضاء الإداري بالمغرب مجمع على إن حق الإضراب يعتبر حق أصيلا ومكفول دستوريا وفق الفصل 29  منه والذي أكد على انه سيكون هناك قانون تنظيمي سيبين كيفية ممارسة الإضراب لكن طول غياب هذا النص التنظيمي أدى إلى وجود فراغ تشريعي بخصوص تنظيم هذا الحق مما أعطى للقضاء الإداري إسنادا إلى دوره الإنشائي إمكانية خلق ضوابط كفيلة بتأمين ممارسة الإضراب بشكل يضمن الحفاظ على سير المرافق العمومية بانتظام واضطراد.

وهذا اعتبر اجتهاد القضاء الإداري بأنه ثبوت عدم التزام الجهة المضربة بالضوابط المقررة لممارسة حق الإضراب وبشكل يؤدي إلى عرقلة سير المرفق العام ، وان لجوء الإدارة إلى تطبيق مقتضيات المرسوم رقم 1216-99-2 الصادر في 10 ماي 2000 باعتبار أن الأجر يؤدى مقابل العمل وبالتالي فان القضاء الإداري اعتبر أن قرار الاقتطاع من راتب الموظف يعتبر قرارا مشروعا وبالتالي كذلك لا يجب إلغاؤه.

هكذا إذا وأمام إصدار الجهات المختصة للنص التنظيمي المشار إليه فان القاضي الإداري وبما له من دور في خلق قواعد قانونية عندما يخلو المجال من التشريع يكون ملزما بوضع ضوابط ومعايير من شانها أن  تضمن لهذا الحق البقاء والحماية من جهة أخرى عدم التعسف في استعماله لحسن سير المرفق العام بانتظام واضطراد وهذا المبدأ تم تأصيله من طرف مجلس الدولة الفرنسي من خلال قرار دوهين عندما أعطى الاختصاص للقاضي الإداري في خلق الموازنة بين مبدأ استمرارية المرفق العام والحق في ممارسة الإضراب.

كما أن الإضراب وان لم يكن يقتضي طلبا من قبل صاحب الشأن ولا يلزم لنشوئه صدور قرار من الإدارة بالترخيص كما هو الشأن بالنسبة لبعض الحقوق السياسية الأخرى إلا انه لاعتبارات النظام العام

وحسن سير المرفق العام فان ممارسته تستوجب التقيد بنظام الإخطار أي الجهة الراغبة قي خوض الإضراب لأسباب مهنية أن تخطر الإدارة بذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة ،وان يتم الإعلان المسبق عن الإضراب لتوضيح أسبابه ومدته ليتم تبليغه للجهات المعنية داخل اجل كافي ومعقول.

وهكذا وفي حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط ورغم تصريح طالب الطعن بإلغاء قرار الاقتطاع من الراتب بسبب إضرابه، أنهم اخبروا وزارة الداخلية وولاية المدينة والوزارة المنتمي إليها بأنهم سيخوضون إضرابا في اليوم المحدد. لكن المشكل هنا يكمن في كيفية إثبات أو صعوبة إثبات أخطار الجهات المعنية بالرغبة في خوض الإضراب لان عدم الإخطار تترتب عنه انعكاسات سلبية على سير المرفق العمومي، ومن هذا المنطلق ذهب اتجاه من الاجتهاد القضائي إلى أن الغيب عن العمل من اجل ممارسة الحق في الإضراب دون الاستناد إلى الضوابط المنصوص عليها فهذا يعتبر إجراءا غير مبرر يستوجب الحكم بتأييد قرار الاقتطاع من الراتب. كما أن لجوء الدولة إلى الإجراء المتعلق بالاقتطاع من الراتب هو تفعيل لمقتضيات مرسوم 10 ماي 2000 وإصباغ الشرعية عن هذا الإجراء ولابد من التأكيد على أن الإدارة كذالك تتشبث في هذا السياق بقرار المجلس الأعلى الصادر سنة 1961 والمعروف بقضية أو بقرار الحيحي ضد وزير التربية الوطنية الذي كرس العمل بالفصل 5 من ظهير 1958.

هكذا إذا نلاحظ تحولا في مواقف الاجتهاد القضائي حيث أولى قراراته كان يقر بعدم مشروعية الإضراب، أما وبعد الانتظار الطويل للنص التنظيمي الذي ظل غائبا ولازال.                                وهنا لابد من ابداع ملاحظة مهمة وهي أن هذا القرار يعتبر خارج السياق الذي نتحدث عنه على اعتبار انه صدر قبل دستور 1962 لكن رغم ذلك فان الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى أصدرت قرارات أخرى كرست من خلالها عدم شرعية الإضراب.                                                                                 هنا أصبح القضاء الإداري المغربي يؤيد على مدى توفر الضوابط الواجب توفرها للقول بشرعية الإضراب من الراتب باعتبار هذا القطاع رهين كما قلت بشرعية الاضراب عن عدمه.

 ثانيا : الاجتهاد القضائي المؤيد لممارسة حق الإضراب وعدم شرعية الاقتطاع

خلافا للتوجه الذي يمكن اعتباره من قبلنا في جانب منه مجانبا للصواب، فان هناك قرارات مغايرة، من ذلك جاء به قرار المجلس الأعلى بتاريخ 11 يونيو 1969م والذي اقر انه :                                      لا يمكن اعتبار أيام الإضراب في احتساب التغيبات الغير مبررة التي تؤدي إلى الطرد.

وهكذا يستفاد من هذا القرار مشروعية الإضراب وبالتبعية عدم اعتباره من التغيبات الغير مبررة التي قد تستوجب الاقتطاع من الراتب أو التأديب بما في ذلك الطرد.                                              وفي نفس الاتجاه صرحت المحكمة الإدارية بمكناس في احد أحكامها “أن حق الإضراب حق دستوري أكدته جميع الدساتير المتعاقبة … عدم صدور تشريع تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الإضراب لا يعني إطلاق هذا الحق بلا قيود بل لابد من ممارسته في إطار ضوابط تمنع من إساءة استعماله وتضمن انسجامه مع مقتضيات النظام العام والسير العادي للمرافق العمومية على نحو لا يلمس سيرها المنتظم بشكل مؤثر وعدم ثبوت كون الاضراب الذي خاضه الطاعن فيه خروج عن الضوابط المذكورة لذلك لا يمكن اعتباره تقصيرا في الواجب المهني وبالتالي تكون عقوبة الانذار على هذه الواقعة لاغية.        أيضا المحكمة الإدارية بالرباط ذهبت في نفس اتجاه الموقف السابق.

ثالثا : مدى شرعية الاقتطاع من الراتب رغم احترام ضوابط ممارسة الإضراب

إذا سلمنا بأن حق ممارسة الإضراب لم يعد مختلفا فيه إذا ما توفرت الضوابط التي اشرنا إليها والتي كذالك أبدينا بخصوصها مجموعة من الملاحظات وبالتالي يطرح التساؤل بخصوص الاقتطاع من الراتب المتخذ من قبل الحكومة رغم توفر الضوابط السابقة في مدى شرعية هذا القرار.                 فكما اشرنا بأنه لم يعد ثمة أي لبس في مشروعية الإضراب بالنسبة للقطاع العام على مستوى الأحكام القضائية الإدارية وبالتالي يبقى الأشكال الأكثر حدة يتجلى في مدى مشروعية الاقتطاع من راتب الموظف العمومي المضرب الشيء الذي أصبح يشكل تعديا صارخا وتراجعا عن المكتسبات المحققة من قبل شغيلة القطاع العام. إذ تبقى الحاجة المتمسك بها من قبل الحكومة هي القاعدة المحاسباتية   التي تقول بان الأجر يكون مقابل العمل. هذا من جهة، لكن من وجهة نظرنا لماذا يتم التمسك بهذه القاعدة. كما نصت المادة 5 من نفس المرسوم على أن الإقتطاع المشار إليه أعلاه يجري بعد إسقاط الاقتطاعات برسم التقاعد والضريبة العامة على الدخل وواجبات الانخراط في الهيئات التعاضدية.                      في حالة الإضراب المكفول دستوريا في الوقت الذي نجد هناك عدة استثناءات لا تعير أي اهتمام لهذه القاعدة قررها المشرع فقط بقوانين عادية بهدف حماية راتب الموظف العمومي ومنها:                    – حالات التغيب القانوني التي نص فيها القانون على استمرار الراتب مثل:                               1- التغيبات القانونية لمندوبي العمال والمستشارين الجماعيين                                               2- التغيبات بسبب أحداث عائلية كوفاة قريب أو ولادة ابن الموظف العمومي                             3- حالة زواج الموظف أو مرضه أو زياد مولود أو نفاس.                                                 ثم هناك التغيبات أيام العطل والأعياد.                                                                        فلماذا يتم إذا أداء الراتب في كل هذه الحالات ونحن هنا لا نجادل في أن هذه الغيابات مبررة لكن كنا كذلك نتمنى أيضا أن يسري هذا الامتياز حتى بالنسبة للموظف العمومي المضرب بل من الواجب أن يكون من باب أولى وبالتالي لا يسعنا هنا إلا نقول بان تلك القرارات الداعية للاقتطاع من الراتب هي قرارات مجانية للصواب أولا لأنها تزيد من تأزيم الوضعية المادية والنفسية للموظف المضرب وكذالك وضعية الإدارة إذ يبقى متابعا من الناحية التأديبية وهذا هو الخطير.                                      ومن جهة أخرى ، فإنه لا يمكن القبول بموقف الحكومة عند إصدارها لقرار الاقتطاع سيما

وأنها لا تعتمد إلا على مشروع قانون تنظيمي قيد المناقشة منذ زمن وذلك على سبيل الاستئناس هذا المشروع ومن خلال مادته الرابعة أكد على عدم جواز معاقبة أي شخص بسبب مشاركته في إضراب مشروع وان الدستور قد جعل ممارسته مشروعة.                                                             لكن في المقابل نحن لسنا مع ترك ممارسة  الإضراب على إطلاقها كما لوحظ في الآونة الأخيرة الشيء الذي افقد العمل النقابي برمته من مصداقيته بالمغرب بفعل الانشقاقات داخل المركزيات النقابية مما خلق نوعا من التيه بالنسبة للموظف العمومي، فيما يخص تحديد من له مصداقية أكثر وهذه المصداقية التي كانت يجب أن تنعكس على مستوى التأطير وذلك حتى تبقى ممارسة الإضراب مرتبطة بطبيعة هدا الأخير نفسه وكذلك موقف القضاء منه حيث إذا اقتصرت على مستوى المؤسسة يكون مشروعا  أما إذا أقدم المضرب على المطالبة بمطالب لاعلاقة لها بطبيعة الشغل داخل الإدارة أو المؤسسة العمومية فالإضراب هنا يكون غير مشروع وبالتالي فقرارات الاقتطاع من راتب الموظف العمومي تكون على صواب.

رابعا: المحكمة الإدارية بالرباط تقضي بإلغاء قرار الاقتطاع من الأجور بعد تنفيد الإضراب  

نظرا للنقاش القوي بين الحكومة والنقابات حول مشروعية الاقتطاع، ندرج نسخة من الحكم القاضي بعدم مشروعية الاقتطاع من اجور المضربين.

المحكمة الإدارية بالرباط حكم رقم : 3772 مؤرخ في : 27/11/2013 ملف رقم : 262/5/2013

 

باسم جلالة الملك وطبقا للقانون

إن المحكمة الإدارية بالرباط (ق.غ)؛

أصدرت الحكم الآتي نصه  :

بناء على المقال الافتتاحي للدعوى المسجل بكتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ 24/5/2013 الذي

تقدم به الطاعن بواسطة نائبه عرض فيه بأنه تم الاقتطاع من أجره ما مقداره 700 درهم نهاية شهر

فبراير 2013 دون اشعار مما أثر سلبا على التزاماته الاسرية والاجتماعية، وتقدم بطلب لوزير العدل

والحريات قصد استرجاع تلك المبالغ المالية المقتطعة بغير مبرر، ظل دون جواب، وان من حقه

المطالبة باسترجاع المبالغ المقتطعة والتعويض عن الضرر الحاصل له تماشيا مع مقتضيات المواد 4 و 5 و6 من القانون رقم 1281 و المرسوم 2.99.1213 بتاريخ 10/5/2000 والمادة 8 من القانون رقم 99.54، لأجله يلتمس الحكم بإلغاء قرار الاقتطاع مع ارجاع المبلغ المقتطع والتعويض عن الضرر حسب تقدير المحكمة وشمول الحكم بالنفاذ المعجل. وأرفق المقال بصورة تظلم وشهادة الاجر ومقتطف الحساب. وبناء على المقال الاصلاحي الذي تقدم به الطاعنون بواسطة نائبهم بتاريخ 13/6/2013 الرامي الى الاشهاد لهم بإصلاح مقال الدعوى وذلك بتصحيح اسم الطاعن وإدخال السيد الوكيل القضائي للمملكة والحكم وفق المقال. وبناء على المذكرة الجوابية المدلى بها بتاريخ 1/8/2013 من السيد الوكيل القضائي للمملكة بصفته نائبا عن السادة رئيس الحكومة ووزير العدل والحريات ووزير الاقتصاد والمالية والخازن العام للمملكة، والرامية الى عدم قبول الدعوى لخرق المادة 20 من القانون المحدث للمحاكم الادارية لعدم بيان وسائل الطعن، وفي الموضوع برفض الطلب لمشروعية قرار الاقتطاع لان حق الاضراب وإن كان حقا دستوريا فهو لا يمارس بشكل تعسفي، وان المعني تغيب مدة اربعة ايام دون مبرر مشروع، وان الاجر يكون مقابل العمل، وان الادارة احترمت المسطرة القانونية ووجهت استفسارا حول اسباب التغيب. وبناء على المذكرة التعقيبية المدلى بها من نائب الطاعن بتاريخ 13/11/2013 الرامية الى رد الدفوع المثارة لكون تغيبه ليس تغيبا غير مشروع وإنما كان في اطار ممارسة حق الاضراب، المضمون دستوريا، وان الاقتطاع كان مفاجئا ولم يسبقه اي استفسار، والتمس الحكم وفق سابق كتاباته. وبناء على الاوراق الاخرى المدلى بها في الملف. وبناء على إدراج الملف بعدة جلسات آخرها بتاريخ 13/11/2013، اعتبرت خلالها المحكمة القضية جاهزة، وأعطيت الكلمة للسيد المفوض الملكي الذي أكد تقريره الرامي إلى إجراء بحث تواجهي، فتقرر وضع القضية في المداولة قصد النطق بالحكم الآتي بعده. وبعد المداولة طبقا للقانون
من حيث الشكل:
حيث دفعت الجهة المطلوبة في الطعن بخرق الدعوى لمقتضيات المادة 20 من القانون المحدث للمحاكم الادارية لعدم بيان وسائل الطعن بالإلغاء. لكن حيث إنه خلافا لما جاء في هذا الدفع، فإنه يستشف من مضمون المقال انه أسس على عيب الشكل و مخالفة القانون من خلال الإشارة إلى النصوص القانونية المستدل بها، مما يتعين معه رده لعدم ارتكازه على أساس قانوني. وحيث إنه في الشق المتعلق بطلب التعويض عن الاضرار الناتجة عن قرار الاقتطاع من الاجر حسب تقدير المحكمة، فإنه اعتبارا لكون الطلب جاء غير محدد خلافا لمقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية، فإن مآله يكون هو عدم القبول. وحيث إنه فيما يخص طلب الغاء قرار الاقتطاع، فإنه جاء مستوفيا للشروط الشكلية المتطلبة

قانونا مما يتعين معه قبوله من هذه الناحية.
من حيث الموضوع:
حيث يهدف الطلب الى الحكم بإلغاء قرار الاقتطاع من الأجر إثر التغيب بسبب الإضراب، وإرجاع المبلغ المقتطع مع النفاذ المعجل. وحيث أسست الدعوى على عدم مشروعية قرار الاقتطاع من الأجر، لكون التغيب كان مشروعا وتم من أجل ممارسة حق الإضراب المضمون دستوريا، فضلا عن خرق الادارة للمسطرة الواجبة قبل الاقتطاع بعدم توجيه انذار بهذا الاقتطاع قبل مباشرته. وحيث دفعت الادارة المطلوبة في الطعن بمشروعية قرار الاقتطاع لأن حق الإضراب وإن كان حقا دستوريا فهو لا يمارس بشكل تعسفي، وأن المعني تغيب مدة أربعة أيام دون مبرر مشروع، بينما الأجر يكون مقابل العمل، وان الادارة احترمت المسطرة القانونية ووجهت استفسارا حول أسباب التغيب. وحيث إنه في ظل غياب النص التنظيمي لممارسة حق الإضراب، فإن القاضي الإداري انطلاقا من دوره الإنشائي للقواعد القانونية يكون ملزما باعتماد ضوابط ومعايير من شأنها أن تضمن الموازنة بين الحماية القانونية لممارسة حق الإضراب باعتباره حقا دستوريا(الفصل 29 من الدستور)، والمصالح المعتبرة قانونا التي يقتضيها ضمان السير المنتظم للمرفق العام لرفع الضرر اللاحق به وبالمرتفقين على السواء، وفق ما تم تأصيله من طرف قضاء مجلس الدولة الفرنسي عندما أعطى الاختصاص للقاضي الإداري في خلق الموازنة بين مبدأ استمرارية المرفق العام والحق في ممارسة الحرية. وحيث نظم المشرع مسألة الاقتطاع من أجر الموظف بنصوص قانونية منها القانون رقم 81.12 بشأن الاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، والمرسوم الملكي رقم 330.66 بمثابة النظام العام للمحاسبة العمومية، والمرسوم رقم 2.99.1216 المؤرخ في 10/05/2000 بتحديد شروط وكيفيات تطبيق القانون رقم 81.12، وهي المقتضيات التي تضمنت وجوب احترام اجراءات شكلية قبل مباشرة أي اقتطاع من الاجر. وحيث إنه لئن كان حق الاضراب مضمونا دستوريا، فإن من حق رئيس الإدارة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استمرارية نشاط المرفق العام، وفرض ضوابط قانونية وإجرائية تضمن عدم إساءة استعمال حق الإضراب و انسجامه مع مقتضيات النظام العام والسير العادي للمرافق الإدارية والقوانين المرعية، بما فيها حق اللجوء إلى الاقتطاع من الأجر طبقا لقاعدة “الأجر مقابل العمل” التي أقرها الاجتهاد القضائي في العديد من قراراته، ويعمل بها في العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، اعتبارا لكون الأجر يؤدى مقابل قيام الموظف بالوظيفة المسندة إليه بصرف النظر عن طبيعة العلاقة التي تربطه بالإدارة وفق ما يستشف من الفصلين 26 و42 من قانون الوظيفة العمومية، ما لم يكن المعني مستفيدا من رخصة قانونية وفق الحالات المقررة قانونا، فالإضراب باعتباره انقطاعا عن العمل يعد تغيبا لا يندرج ضمن حالات التغيب المرخص به قانونا بصرف النظر عن مشروعيته، دون أن يشكل ذلك الإجراء عقوبة إدارية أو مصادرة لحق الإضراب المضمون دستوريا، ما دام انه لا يمنع حق الموظف وحريته في ممارسة الاضراب؛ غير أن تصرف الإدارة وتفعيلها لقرار الاقتطاع من الأجر، يظل خاضعا لرقابة المشروعية من طرف قاضي الإلغاء. وحيث إن مراقبة شرعية قرار الاقتطاع من الأجر تستوجب التحقق من احترام هذا الاجراء القانوني للمقتضيات المسطرية المنظمة له، وفق الغاية التي أقرها المشرع من وجوب احترام هذه الشكليات. وحيث إنه في نازلة الحال، فإن الادارة المطلوبة في الطعن طبقت المقتضيات القانونية المشار إليها أعلاه، غير أنها ولئن دفعت باحترام المسطرة القانونية وتوجيه استفسار في الموضوع، فإنها لم تدل بما يفيد توجيه هذا الاستفسار قبل مباشرة الاقتطاع احتراما للنص القانوني المستند إليه، وللضمانات التي يوفرها للمخاطبين بأحكامه، ما دامت هذه الشكلية مقررة لصالح الموظف لتفادي عنصر المفاجأة في الاقتطاع وتخويل المعني به فرصة التحضير لنتائج النقص الذي تتعرض له أجرته الشهرية تبعا للالتزامات المالية المترتبة عليه، فتكون شكلية جوهرية تمس بشرعية القرار المخالف لها. وحيث إنه في ظل نفي الطاعن سبق توجيه أي استفسار إليه قبل مباشرة الاقتطاع، مع منازعته الجدية في الاخلال بهذا الاجراء الشكلي الجوهري المستمد من حق الدفاع المكرس دستوريا، فإن الادارة لم تدل بما يفيد احترام المسطرة القانونية المقررة في حالة اللجوء الى الاقتطاع من أجر الموظف طبقا لمقتضيات القانون رقم 81.12 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.83.230 وتاريخ 05/10/1984 بشأن الاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، والمرسوم رقم 2.99.1216 المنظم له، الذي نص على أن الاقتطاع المذكور من المرتب يتم بعد توجيه استفسار للمعني بالأمر حول أسباب تغيبه عن العمل طبقا للمادة الرابعة منه التي جاء فيها مايلي:” يتم الاقتطاع بعد أن تقوم الادارة بتوجيه استفسار كتابي للموظف أو العون حول أسباب تغيبه عن العمل”، مما يكون معه ما أثاره الطاعن بخصوص مخالفة الادارة لعيب الشكل صحيحا من هذه الناحية، ويتعين إلغاء قرار الاقتطاع المطعون فيه لهذه العلة مع ترتيب الاثار القانونية على ذلك. المنطوق :
وتطبيقا لمقتضيات القانون رقم 90.41 المحدثة بموجبه محاكم إدارية، والقانون رقم 81.12 والمرسوم رقم 2.99.1216.

لهذه الأسباب:
حكمت المحكمة الإدارية علنيا ابتدائيا وحضوريا:
فــــي الشكــــل: بقبول الدعوى في الشق المتعلق بإلغاء قرار الاقتطاع من الاجر وعدم قبولها في الشق المتعلق بطلب التعويض.
فـــي الموضوع: بإلغاء القرار المطعون فيه مع ترتيب الاثار القانونية على ذلك.
بهذا صدر الحكم في اليوم والشهر والسنة أعلاه، وكانت الهيئة مكونة من السادة : فدوى العزوزي رئيسا
وصالح لمزوغي مقررا، و نريمان الخطابي عضوا، نريمان الخطابي عضوا و بحضور السيد محمد النوري مفوضا ملكيا، وبمساعدة السيدة مليكة حاجي كاتبة الضبط.

الرئيس                            المقرر                              كاتب الضبط

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر

– مجموعة أحكام الغرفة الاذارية للمجلس الأعلى 1961 عن بوجمعة رضوان قانون المرافق العامة، م.س.ص41                     – أنظر في هذا الصدد مجلة القانون العام 1950،ص 691.                                                                                   – ذ. القرييشي عبد الواحذ: دور القضاء الاذاري المغربي في بناء دولة الحق والقانون ، مقاربة سوسيو قانونية من خلال دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة” ، اطروحة دكتوراه نوقشت بجامعة الحسن الثاني عين الشق الدار البيضاء، 2008.                      – قرار المجلس الأعلى عدد 506 بتاريخ 13/09/1984، عن بودالي عزيز: إشكالية ممارسة حق الإضراب بين ايجابيات القانون ومعوقات الواقع ،ص 95.

– حكم صادر عن المحكمة الاذارية بالرباط رقم 202 وبتاريخ 7/2/2006 ملف رقم 7/1/02.                                           – مرسوم رقم 1216- 99 2 الصادر بالتاريخ المشار إليه أعلاه.                                                                            – القرار المعروف بقضية اذريس نداء ضد وزير البريد والمواصلات الصدر بتاريخ 25/5/1984م.                           – ذ. عبد العزيز العتيقي: القانون الاجتماعي بالمغرب ” الطبعة الأولى، ص 157 وما يليها.                                               – يجدر التذكير بأن الفصل 39 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية حدد حالات التغيب عن العمل المسموح بها للموظف الموجود في وضعية القيام بالعمل والمتمثلة في:                                                                                               -الرخص الإدارية التي تشتمل على الرخص السنوية والاستثنائية ورخص التغيب ، الأسباب صحية: ورخصة الولادة.             – حكم عن المحكمة الإدارية بمكناس بتاريخ12/07/2001، عدد 63/2003 غ منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 42 ص 170.                                                                                                                                    – ذ محمد الأعرج: جريدة النهار المغربية، العدد 1262.                                                                                     – لابد من الإشارة إلى أن المادة 4 من المرسوم رقم 1216-99-2 اعتبرت.أن.الإقطاع من راتب الموظف أو العون حول أسباب تغيبه عن العمل.                                                                                                                                  – انظر في هذا الإطار: *الفصل 41 من قانون1967  المتعلق بالمحاسبة العمومية.                                                       – الحكم المحفوظ بكتابة الضبط قسم الالغاء بالمحكمة الإدارية بالرباط حكم رقم3772 : بتاريخ : 27/11/2013 ملف    رقم : 262/5/2013                                                                                                                        – (ق.غ) : قسم الالغاء

 

 

 

إقرأ أيضاً

الرقابة على الدستورية والأمن القانوني دراسة في ضوء الإجتهاد القضائي الدستوري المغربي

الرقابة على الدستورية والأمن القانوني دراسة في ضوء الإجتهاد القضائي الدستوري المغربي Constitutional control and …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *