Site icon مجلة المنارة

الحقوق والحريات في الدساتير العربية ما بعد الربيع العربي تونس –مصر – المغرب نموذجا

الحقوق والحريات في الدساتير العربية ما بعد الربيع العربي

تونس –مصر – المغرب نموذجا

مقدمة عامة:

يعتبر مجال حقوق الإنسان من المجالات التي استأثرت بقسم وافر من الدراسات في جميع البلدان، نظرا لما تحتله الحقوق والحريات في دساتير الدول، باعتبارها معيارا للقياس بين الدول الديمقراطية والدول ألاستبدادية، وعادة ما تسعى الدول لتنصيص على مجموعه من الحقوق والحريات ضمن الأبواب الأولى لدساتيرها لأهميتها ضمن الهندسة الدستورية في  تحليل الوثيقة الدستورية بمجملها ،باعتبار الفصول الاولى قد تتضمن فصولا  تتميز بالجمود المطلق ولا يمكن المساس بها في حالة ارتأت السلطة التأسيسية الفرعية  القيام بتعديل دستوري، وإلا اعتبر عملها مسا بالشرعية الدستورية، وهذه الفصول لا يمكن  تعديلها إلا  في حالة انهيار الدولة أو قيام سلطة  تأسيسية أصلية جديدة مقام  السلطة التأسيسية الفرعية[1]

ويعتبر التنصيص على الحقوق والحريات كذلك داخل الدساتير، بمثابة تأشيرة مرور لصف الدول الديمقراطية،ويختلف هذه التنصيص من دولة إلى أخرى، وكذا داخل دساتير دولة واحدة في مراحل زمنية مختلفة، باعتبارها تخضع للمد والجزر حسب الظرفيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكذا للتجديد المستمر الذي يعرفه هذا المجال على المستوى الدولي.

وأمام صعوبة الاحتماء وراء الخصوصيات الوطنية حتى على المستوى الدستوري الذي يحدد التمايز السياسي للدولة، ما يمكن اعتبر القول القائل بأن الدستور الوطني سيد القوانين يعلو ولا يعلى عليه قولا متجاوزا ، وهذا ما يحيلنا على البحث في كنه العلاقة بين القانون الدولي لحقوق الانسان بالدساتير الوطنية .

هذه العلاقة التي تختلف من حيث الانسجام والتناغم أو الابتعاد والشروخ من دولة للأخرى   حسب الانظمة السياسية والاقتصادية وطبيعة المجتمعات التي تنتمي لها تلك الدول، هذا التمايز سيجعلنا نأخذ مسافة مع المقاربة التعميمية التي تعتمدها مجموعة الدراسات الاسقاطية.

وتقتضي مقاربة موضوع الحقوق والحريات في علاقتها بالدساتير الوطنية رصد البدايات الاولى لبزوغ هذه العلاقة المتمثلة بالأساس في تدويل مفهوم حقوق الانسان الذي  عرف بدايته الاولى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في إطار هيئة  الامم المتحدة الذي ترتب عنه الانتقال من مفهوم تقليدي للقانون الدولي لحقوق الانسان إلى مفهوم جديد، الذي لم تعد  فيه حقوق الانسان تعتبر من صميم القضايا الداخلية للدول[2]،بل أصبحت مجالا مشتركا بين الدولة والمجتمع الدولي والفرد  هذا الاخير الذي أضحى بفعل المقتضيات الجديدة في القانون الدولي لحقوق الانسان عنصرا من عناصره ، هذا المعطى يجعل الباحث لا ينظر الى التكامل الوظيفي بين الدستور والقانون الدولي لحقوق الانسان انطلاقا من مقاربة التصديق على المعاهدات الدولية التقليدية بل ينظر لهذا التكامل من زاوية القنوات المفتوحة للفرد كفاعل ضمن هذه المنظومة تحميه من أي تعسف قد يسلبه حقوقه المصونة في الوثائق المعتمدة وكذا الحماية  الدستورية وضماناتها الممنوحة للأفراد داخل تلك الدول.

كما أن غياب التكامل الاجرائي[3] الذي لا يستبعد امكانية تبني قاعدة مخالفة لأحد قواعد القانون الدولي لحقوق الانسان الذي تم استنباطه من الممارسة الفعلية، فرغم اعلان معظم الدساتير الوطنية التزامها بالشرعية الدولية واحترام حقوق الانسان فإن مؤشرات الممارسة الواقعية تدل على وجود تنافر واضح بين القول والفعل وبين النظرية والتطبيق ما يحفز الباحثين لطرح التساؤل حول طبيعة القانون الدستوري ومحاولة الكشف عن ضعف مفعوله الاجرائي.

فبالرغم من الصراع الطويل للقوى الحية داخل المجتمع[4]  من أجل احترام الحقوق والحريات وضماناتها، لازالت الغالبية المطلقة من البشر مسلوبة الإرادة والكرامة وتتعرض لانتهاكات صارخة[5]،وبالخصوص في الدول العربية التي ننتمي إليها التي لازالت معظمها مكبلة بأنواع القيود المتراكمة التي تتحكم في حياة الإنسان، التي تعيقه وتمنعه من تحقيقه لإنسانيته وكرامته رغم ما يحتله مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في التشريعات والدساتير الوطنية لتلك الدول، التي تختلف من دولة إلى أخرى كما سبق الذكر.

هذا ما سيتم رصده في  بعض دساتير دول عربية التي عرفت حركا اجتماعي وسياسي

ما أدى لمجموعة من الأحداث المتسارعة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أـو الدستوري، بالإضافة الي ما عَرفته هذه الدول من مستجدات وتطورات دستورية إما نتيجة اكراهات داخلية أو خارجية في حقب زمنية مختلفة انعكست سلبا أو إيجابا على المنظومة الحقوقية  .

سنقتصر في بحثنا هذا على كل من تونس ومصر والمغرب. بالنسبة للحالة التونسية التي تعتبر مهد الربيع العربي، الذي انتقلت شرارته لباقي الدول المجاورة ، وعرفت تونس  بتاريخ 23 أكتوبر 2011 عملية انتخاب المجلس الوطني التأسيسي[6] التي أفزرت مجلسا تأسيسيا لصياغة الدستور الذي أقر الدستور التونسي المؤقت يوم 11 دجنبر ،2011 المتضمن لمجموعة من الحقوق الجديدة المتقدمة على الدساتير السابقة للجمهورية التونسية وتجدر الإشارة إلى أن تونس أقرت أول دستور لها سنة 1959 الذي عدل سنة 1974، متبوعا  بتعديل أخر سنة.   1989، وأخير دستور سنة 2013 هذا الأخير اعتبره الكثير من الفاعلين أرقى الدساتير التونسية، نظرا لطريقة وضعه والمنهجية المعتمدة في إقراره، وتختلف التجربة الدستورية المصرية في مجال الحقوق والحريات عن التجربة التونسية.

وبالنسبة لدراسة الحالة المصرية سنحاول التطرق الى الحقوق والحريات في الدستورين الجديدين بعد الربيع العربي (دستور 2012 ودستور 2014).

أما التجربة المغربية سنحاول ملامسة مسألة الحقوق والحريات في الدستورين الاخيران 1996 و 2011 ومحاولة الوقوف على التطور الحاصل في مجال الحقوق والحريات .

وتتجلى أهمية الدراسة في سعي الإنسان الدائم نحو التحرر من القيود والعبودية عبر مسلسل يتميز بالمرونة قد يمتد أو يتراجع حسب الظرفيات والأوضاع.

وعليه فإن دواعي اختياري لهذا الموضوع تتمثل بالأساس في التقاطع بين الواقع الدستوري والطابع الكوني وعلاقة تدويل االحقوق والحريات بالدساتير الوطنية، هذه الحقوق والحريات  التي تصبح عديمة عندما تتعارض  مع الطابع الكوني  كما تضمنتها المواثيق الدولية المؤطرة لهذه الحقوق والحريات، وكذا علاقة الطابع الكوني للحقوق والحريات بالخصوصيات الوطنية أثناء وضع الدساتير الوطنية والهوية الوطنية ،وكذا في حالة اختراقها من طرف الممارسة السياسية من الناحية الواقعية، فتصبح الوثيقة الدستورية عبارة عن ورقة تحرف كلما اصطدمت بالممارسة السياسية.

المبحث الاول : تدويل الدساتير والالتزام المعياري بالمنظومة الحقوقية.

المطلب الاول:الدستور وتدويل حقوق الإنسان.

 

يعتبر  التدويل من المفاهيم  القانونية الغامضة في الدراسات الدستورية ،نظرا لما ينتجه من سواء الفهم لذا الدارسين في هذا المجال ،ويمكن تعريف التدويل في المجال الدستوري بأنه إخراج المسائل القانونية من مجالها الوطني إلي المجال الدولي [7] عن طريق توحيد المبادي الدستورية وتنسقها مع تطور القانون الدولي العام وميثاق الامم المتحدة ،وظهر مفهوم التدويل بشكل جلي مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبزوغ مجتمع الدولي المتمثل في هيئة الامم المتحدة الذي أصبحت معها حقوق الإنسان معولمة،عن طريق سعى  الدول لخلق إطار قانوني مشترك يكون الإنسان محوره بغض النظر عن انتمائه الجغرافي أو العرقي  والجنسي والديني واللغوي،وبهذا أصبحت حقوق الإنسان تقس بدرجة ضمان الدولة  لمواطنيها الحقوق والحريات الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية لاحقة عليه ،فالقانون الدولي لحقوق الانسان  يمثل منظومة كونية وضعية ومحركا أسياسيا للتطلع نحو الافضل ،وبإعتباره اللغة المشتركة للحداثة القانونية فإنه يمثل أيضا المناعة ضد أي وصاية  على النص الكوني لحقوق الانسان زيادة على  ذلك فإنه تسمح بإختراق قلاع الممارسات الوطنية والمحصنة وراء العناوين الديمقراطية البراقة ويرقض كل نظرة استعلائية التى ترى أن  حماية حقوق الإنسان والنهوض بها  بلغت الكمال في قطر من الاقطار  أو تجعل من تجربة بعينها المثال المطلق والنموذج المحتذى به.

إن تحليل العلاقة بين الدساتير الوطنية وتدويل حقوق الإنسان يستوجب الوقوف بالضرورة على ما تنص  عليه هذه الدساتير وكيفية  تعامل هذه الدساتير مع العلاقة بين الدستور نفسه والمواثيق الدولية وحدود هذه العلاقة وما تتضمنه هذه الدساتير في تحديد العلاقة بين المواثيق الدولية بالقوانين الداخلية.

المطلب  الثاني : الدسترة الحقوقية الجذور والامتدادات .

يرتبط دسترة الحقوق والحريات بالعالم،بالتطور الذي عرفته المجتمعات الإنسانية في حقب زمنية مختلفة ،وتعتبر مرحلة ظهور الدولة ونظرية العقد الاجتماعي أهم مراحل  التنصيص على الحقوق والحريات داخل دساتير الدول،وتميزت هذه المرحلة بتحديد حقوق وواجبات الحاكم والمحكوم،وتميزت أيضا بتنازل الأفراد على جزء من حريتهم لفائدة الدولة وبداية الانتقال من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة العقد الاجتماعي فهذه المرحلة بمثابة البدايات الأولى لإعطاء الحقوق والحريات الطابع الوضعي والمفهوم الدينامكي [8] ويمثل العهد الاكبر لسنة 1215ى ميلادية [9] بداية انطلاق مسار الدسترة الحقوقية وذلك لاعتبارات كثيرة وأبرزها أن العهد يؤسس لتحديد الحقوق والحريات وتوزيعها بين الحاكم والمحكوم ،ويمثل الحجر الاساس لإعطاء الحقوق والحريات الطابع الوضعي ،إلا أن الدسترة الحقوقية بمفهومها الحديث بدأت مع دستور الولايات المتحدة الامريكية لسنة 1776 م، الذي استمد جل بنوده من إعلان الاستقلال لسنة……،ويله دستور فرنسا لسنة 1791 الذي استمد جل نصوصه في مجال الحريات والحقوق من اعلان الحقوق والمواطن لسنة 1789م،وتليهما دمجموعة من دساتير أورباء لاحقة.

أما على المستوى العالم العربي الذي نحن بصدد دراسته فظهور الدسترة الحقوقية بهذه البلدان إرتباط بحصولها على الاستقلال وتأسيس الدول العربية لحقبة جديدة ،وأول الدول العربية المقرة لشعبها حقوق دستورية هي تونس تم مصر سنة 1923 وعرفت مسألة حقوق الانسان على مستوى الدساتير العربية تدبدبات بين المد والجزرفي دساتيرها  لما بعد الاستقلال وبالخصوص بعد اقرار الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي أصبح بعد إقراره الاطار المرجعي الرئيسي لكافة الدساتير فيما يخص التنصيص على الحقوق والحريات وضماناتها ،وبعده  العهود الدولية لاحقة وأبرزها العهدين الدوليين،العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ،إن ما تجدر الاشارة إليه فيما يخص الدسترة الحقوقية،أن التنصيص على الحقوق والحريات أصبح يشكل في عصرنا الحالي العمود الفقري للدساتير الحديثة إذ أصبح التنصيص على هذه الحقوق في شكل قائمة (أو ما يصطلح عليه بالكاتلوج )،وتدرج عامة في طالع الوثيقة الدستورية التي تصبح بمجرد الاعلان عنها ملزمة لجميع أفراد المجتمع،وتخضع تلك الحقوق للحماية القضائية داخل الدساتير تفاديا لأي تعسف في المساس بحقوق الافراد.

المطلب  الثالث :الالتزام المعياري للدساتير

نعني بالالتزام المعيار للدساتير الوطنية ،خلو المقتضيات الدستورية من أي هوية إيديولوجيا أو حمولة دينية قد تؤثر على المفهوم الكوني لحقوق الإنسان وتفرغ المفهوم الكوني من محتواه، فبعد أن أصبح تنصيص الدساتير الجديدة على الحقوق والحريات  ، وبعد أن أصبحت جل الشعوب تتمتع بالحقوق على المستوى القانوني، وكذا انخراط الدول في المصادقة على المواثيق والعهود الدولية أصبح الإشكال المطروح هو الالتزام المعياري للدساتير بالحقوق والحريات كما هو متجسد في المواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الانسان ودرجة التعامل الانتقائي للدساتير الوطنية للحقوق والحريات الذي يتناقى مع وحدة الحقوق والحريات وعدم قابلتها للتجزئي باعتبارها المثل الاعلى المشترك الذي ينبغي للشعوب بلوغه وكافة الامم،كما جاء في ديباجة الاعلان العالمي لحقوق الانسان كما أن حقوق الانسان حقوق مترابطة وغير قابلة للتجزئي حيث أن إحترام جميع أجيال حقوق الانسان أمر أساسي باعتبارها كتلة متجانسة تحترم بمجملها،والحديث عن مسألة الالتزام المعياري للدساتير يحيلنا على مجموعة من الاشياء الهامة ومن أبرزها الاحالة إلى القوانين العادية في تفعيل الالتزام بحيث أن الدساتير تكتفى بالتنصيص العام والقوانين تدقق ،هذه الاخيرة قد تحيد عن المفهوم العام الذي حدده الدستور وتفرغ النصوص الدستورية من محتواها وتجعل مسألة الالتزام مقترن بالوثيقة الدستورية دون أن تتجاوزها إلى النصوص التشريعية الادنى منها،التي غالبا تلتفت على المفهوم الكوني لحقوق الانسان بالخصوص في دول العالم الثالث وتخضع هذه الحقوق لمسألة الخصوصيات الوطنية والثوابت الوطنية وكذا الاكراهات الاجتماعية والاقتصادية ،وبذلك تقرر إخضاع الحقوق لمسألة الاعتماد التدريجي بناء على جدولة زمنية معينة وبالخصوص قيما يتعلق بالحقوق المسماة بالحقوق المبرمجة [10]كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1966 والاتفاقية الاوربية لحماية حقوق الانسان والحرية الاساسية لسنة،1950 والاتفاقية الاميركية لحقوق الانسان لسنة 1969 والميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب والاتفاقيات الموضوعية والبرتوكولات الاختارية لاحقة عليها ،ويثير مفهوم تدويل حقوق الانسان إشكاليات وعلى رأسها التعارض بين مبدأي الانسانية ومبدأ السيادة [11] هذا الاخير الذي يتجسد في الدساتير الوطنية والقوانين الداخلية والسيادة تعني ولاية الدولة في حدود إقليمها ولاية إنفردية ومطلقة وأن تحترم السيادة الاقليمية للدول المستقلة الذي يعد أمرا جوهريا في أسس العلاقات الدولية[12]،فمن جهة لايمكن تجاوز المعطى الاساسي المتمثل في تدويل حقوق الانسان ومن جهة ثانية يستحيل تجاهل الاطار الوطني الذي من المفروض أن تطبق فيه وتنمو داخله.

المبحث الثاني:الدساتير الجديدة والاجيال الثلاثة لحقوق الانسان دساتير تونس-مصر-المغرب نموذجا.

يختلف التنصيص الدستوري على الحقوق والحريات من دستور لأخر وتختلف درجة الالتزام بالمنظومة الكونية ككل دون تجزئي من دولة إلى أخرى ،وتتباين الخطابات المعيارية من دستور لأخر ،ويعتبر التنصيص على الحقوق والحريات في الدساتير الحديثة من الجوانب المحورية والأساسية داخل الدساتير فلا وجود لدولة الحق والقانون في ظل غياب إعلان الحقوق والحريات وكذا في ظل غياب الاليات والإجراءات المناسبة لفرض احترامها .

قبل رصد التوجهات الدستورية لدساتير تونس-مصر-المغرب فيما يخص الحقوق المدنية والسياسية ،لابد أن نشير لعلاقة المنظومة الحقوقية بدساتير الدول من جهة وعلاقتها بالقوانين الداخلية من جهة ثانية.

المطلب  الاول :علاقة الدساتير الثلاثة بالمنظومة الحقوقية الكونية.

فالدستور المصري قي مادته 93 يؤكد على أن الدولة تلتزم بالاتفاقيات الدولية والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان التي تصادق عليها مصر وتصبح لها قوة القانون القانون بعد نشرها وفقا للأوضاع المقررة بهذا يضع المشرع الدستوري المواثيق والعهود الدولية على قدم المساواة مع القوانين العادية مع إفراد صيغة غامضة فيما يخص ربطها بالأوضاع المقررة،على نقيض ما ذهب إليه المشرع الدستوري المغربي والتونسي اللذان جعلاني من العهود والمواثيق الدولية أسمى من القوانين الداخلية بمجرد المصادقة عليها والدستور التونسي كان واضحا من حيث الصيغة في تحديد هذه العلاقة ،ولم يربط علوية العهود والمواثيق الدولية بأي شرط تقيدي يذكر فالفصل  20 من الدستور التونسي ينص على ما يلي “المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها ،أعلى من القوانين وأدنى من الدستور عكس اذي ربط سمو المواثيق في ديباجة الدستور في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية[13]،وهنا يظهر بعض الاختلافات الجوهرية بين الدساتير الوطنية الجديدة في علاقة القوانين الداخلية بالعهود الدولية ويبقى الدستور التونسي متقدم من حيث الصيغة  فهو بعيد كل البعد عن الدستور المصري وقريب لدستور المغربي ،ويعتبر العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 الإطار المرجعي في المقارنة بين الدساتير من حيث التزامها بضمان الحقوق المدنية والسياسية للافراد المجتمع وفي تحديد الخطابات المعيارية للدساتير لتحديد أوجه الاختلاف والتشابه بين الدساتير الوطنية.

وتجدر الاشارة أن الدول قيد الدراسة صادقت على العهد وتعتبر مصر أولى الدول المصادقة عليه تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، بتاريخ 4 غشت 1967، تم تونس قي 30 أبريل 1968،والمغرب 3 ماي 1979، ويتكون العهد من 58 مادة موزعة على ستة أجزاء وما يهمنا في هذه الدراسة 25 مادة الاولى التى تتضمن مجموعة من الحقوق وتنقسم الى ما هو جماعي وما هو فردي .

ومما لأمراء فيه أن تكريس الدساتير لأغلبية الحقوق المتضمنة في العهد بكيفية متباينة هذا التباين لا يعكس اختلافا جوهريا بقدر ما يعبر عن تنوع الاساليب المنتهجة من قبل واضعي هذه الدساتير لترجمة القيم الانسانية وتفاعلاتها مع الحركية الاجتماعية للشعوب،ونصت الدساتير الثلاثة على هذه الحقوق في أبوابها الاولى، فبالنسبة للدستور المصري لسنة 2014 فقد خصص لها الباب الثاني والثالث والرابع المتضمنة لمجموعة من الحقوق إنسجاما مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية غير أن الدستور المصري أغفل مجموعة من الحقوق الواردة في العهد من بينها الحق في تقرير المصير،[14] ونفس الامر بالنسبة للدستور المغربي والتونسي بدء بالديباجة التى لا تعتبر جزء من الدستور التى تؤكد دعم للوحدة المغاربية باعتبارها خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية،نفس الشيء أكده الفصل 5 من الدستور التونسي،الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي وتعمل على تحقيق وحدته وتتخد كافة التدابير لتجسيدها أما الدستور المغربي  فيؤكد في تصديره الذي يعتبر جزء لا يتجزأ من الدستور على أن المملكة المغربية دولة موحدة وذات سيادة كاملة المنتمية إلى المغرب الكبير تؤكد وتلتزم بما يلي، العمل على بناء الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي ويؤكد الفصل الاول أن الامة تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة ،تتمثل في الدين الاسلامي السمح والوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية.

المطلب الثاني: الحقوق المدنية والسياسية.

إخترت الدساتير الثلاثة الاستفتاء والانتخابات كآليات لتقرير المصير [15] أما فيما يخص باقي الحقوق التي تضمنها العهد فالدساتير الثلاثة تضمنت جل الحقوق وتبقى الصياغات مختلفة من دستور للأخر وتجدر الاشارة أن الالتزام بما تضمنه العهد يوضع بصيغ غير ملزمة داخل الدساتير الثلاثة أو ربط الحق بالقانون المنظم له، ويمكن الاستدلال بصيغة الحق في الحياة داخل الدساتير الثلاثة فبالنسبة للدستور التونسي فالفصل[16]22 منه يؤكد على ان الحق في الحياة مقدس لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون وهنا أحال الدستور حالات الضبط للحق في الحياة للقانون الذي قد يتعسف واضعه في توسيع عدد الجرائم التي تستوجب الحكم فيها بالاعدام على مرتكبها، نفس الامر يتضمنه الدستور المغربي في الفصل 20 منه الذي جاء بالصيغة التالية “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل انسان ويحمي القانون هذا الحق“،وتجدر الاشارة أن القانون الجنائي ينص على عقوبة الاعدام في مجموعة من الجرائم الاكثر خطورة مثل جرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي ،جرائم الارهاب،جرائم ضد الاشخاص ،القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد،قتل الاصول وجرائم التسميم والقتل المقرون بجرائم أخرى كالاختطاف، وعموما فعدد الجرائم التي يعاقب بالاعدام في القوانين المغربية التي يتضمنه القانون الجنائي والتعديلات المتعلقة بمكافحة الارهاب والقانون العسكري هي في حدود 866 جريمة،أما الدستور المصري فليس في طياته ما يشير الى الحق في الحياة وتبنى صياغة مبهمة بالمقارنة مع مع الدستور المغربي والتونسي وتطرق للحقوق الطبيعية للأشخاص في الفصل 92 “الحقوق والحريات للاصقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلا ولا انتقاصا ولا يجوز لاي قانون ينظم ممارسة الحقوق ان يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها” وبقراءة الفصل بالمفهوم الواسع فيمكن اعتبر الفصل يشمل كل الحقوق الطبيعية التى لا تقبل التنازل ولا التفويت حسب تعبير جون لوك[17]رغم الاقرار بان صيغة الدستور المصري تعتبر متقدمة على الدستورين التونسي والمغربي إلا أنها قد تؤول حسب الظرفيات السياسية في ظل غياب صياغة واضحة تقر بالحق في الحياة بشكل مباشر .

أما فيما يخص المساواة بين الجنسين فالدساتير الثلاثة تنص على المساواة القانونية بين الرجل والمرأة وتبقى صيغ الالتزام بتحقيق المساواة منعدمة في ظل غياب ضمانات واضحة تنص عليها هذه الدساتير فبالنسبة لدستور المصري  الذي ينص فيما يخص الحقوق بين الجنسيين في مادته 11 على ما يلي “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق المدنية والسبياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور.

وتعمل الدولة على اتخاذ التدبير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثلا مناسبا في المجالس النيابية على النحو الذي يحدده القانون ،كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الادارة العام ” .

صيغة الدستور المصري لم تعطي وضعا متقدما لحقوق المرأة وربطت هذه الحقوق بما ستفرزه القوانين التي عادة ما تخضع للتجاذبات السياسيوية قد تتقدم أو تتراجع وفقا لظرفية السياسية بالإضافة أن صيغة الدستور المصري لم تتطرق لمبدأ المناصفة بين الجنسيين وظل الامر متروك للقوانين العادية غير الملزمة بإدراج داخل احكامها هذا المبدأ كإلزام دستوري، فيما يخص الدستور التونسي والمغربي فصياغتهما تبقى متقدمة  على الدستور المصري فبالنسبة لدستور التونسي فانه يؤكد في المادة 46 منه أن الدولة تلزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها ،وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات وتسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة.

هذه الصيغة حصنت عن طريقها الحقوق المكتسبة للمرأة التونسية ونصت على تكافؤ الفرص ومبدأ المناصفة في المجالس المنتخبة وماتجدر الاشارة إليه أن صيغة الفصل 46 غير مرتبطة بنص تشريعي أو فصول دستورية أخرى أو ثوابت وطنية كما هو عليه الحال في الدستور المصري والمغربي،إلا أن ما يجب مؤاخذات صيغة الدستور التونسي عليه هو حصر تطبيق مبدأ المناصفة في المجالس المنتخبة دون أن يتعدى ذلك جميع مناحي الحياة بالجمهورية التونسية بالإضافة الى غياب اليات تسهر على حماية الحقوق الدستورية للمرأة كما هو في الدستور المغربي هذا الاخير تختلف صياغته في التنصيص على مفهوم المساواة بين المرأة والرجل عن الدستورين المصري والتونسي إذ ينص في الفصل 19 ” يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء.

وتُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

وتعتبر صيغة الفصل 19 صياغة غامضة ومتناقضة في نفس الوقت عكس ما يظهر عند قرأته قراءة سريعة دون تفحص وتمحيص، ومن بين هذه المتنافضات ربط مبدا المساواة بالثوابث الوطنية وقوانين المملكة التي تفرغ الفصل 19 من محتواه حيث لا يمكن التضرع بالنص الدستوري عن تعارضه مع قانون عادي في حق مطلبي في هذا المجال وهذا هو الفرق الجوهري بين صيغة الفصل 46 من الدستور التونسي والفصل 19 من الدستور المغربي ،اما فيما يخص المناصفة فالدستور المغربي أخد هذا المفهوم بمفهومه الواسع عكس الدستور التونسي الذي ربطه بالمجالس المنتخبة.

المطلب الثالث: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ما سيتم تناوله في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في المواد 6 إلى 15 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966 وتجدر الاشارة أن الدول قيد الدراسة مصادقة على العهد فبالنسبة لمصر فصادقت على العهد بتاريخ 14 يناير 1982 بعد التوقيع في 4 غشت 1967 وتونس في 18 مارس 1969 بعد التوقيع في 30ابريل 1968 والمغرب صادق عليه في 3 متاي 1979 ونشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 21 ماي 1980 عدد 3525 بعد التوقيع سي 19 يناير 1977.

تتباين الممارسات المعيارية لدساتير تونس ومصر والمغرب في التنصيص على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في صلب الوثيقة الدستورية وتمثل الحقوق والحريات المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجيل الثاني لحقوق الانسان وعلى الرغم من أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 1948 قد نص على مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كمبادئ عامة ،مثل الحق في العمل وأخد الراحة ،والحق في الضمان الاجتماعي والحق في مستوى معشي لائق والحق في الصحة والرفاهية والحق في التعليم على ان يكون ذلك بالمجان في المرحلة الاولى ،والحق في الاشتراك في الحياة التقاعد والاستمتاع بالفنون والاسهام في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه،والحق في حماية المصالح الادبية والمادية المترتبة على الانتاج العلمي والادبي أو الفني للفرد.

وعلى الرغم ايضا أن العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية الصادر في 1966 بالموازاة مع العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلا أن المنتظم الدولي المتمثل في الامم المتحدة أصدرته كوثيقة منقصلة تتضمن قائمة الحقوق الاقتصادية ولاجتماعية والثقافية.

وتجدر الاشارة أن طبيعة الالتزامات القانونية الناشئة عن الحقوق والحريات الواردة في العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،لا تعدو أن تكون مجرد مناشدة للدول الموقعة عليه للعمل ما في وسعها لتضمين هذه الحقوق والحريات في دساتيرها حتى يتسنى لمواطنيها أن يتمتعوا بمستوى معشي لائق ،حسب الامكانيات المادية للدول دون أن يكون هناك سلم ثابت يقاس به مستوى تقدم هذه الدول في تطبيق بنود العهد ومدى التزامها بمقتضيات العهد، وتتطرق جل الدساتير للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بصيغات مختلفة، نفس الامر يتجسد في دساتير مصر وتوتس والمغرب فعلى سبيل المثال فالدستور المصري عند تطرقه للحق في التعليم في المادة [18]19 على أن “التعليم حق لكل مواطن وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله ،وتوفيره وفقا لمعايير الجودة العالمية” ونص الدستور المصري على تخصيص ميزانية سنوية تناهز 10 بالمائة من الناتج الداخلي القومي موزعة بين التعليم الاساسي والتعليم الجامعي ،4 بالمائة للتعليم الاساسي[19] و6 بالمائة للتعليم الجامعي[20] على أن يتزيد هذا الدعم للمستويات الدولية وفق نص الدستور المصري بالإضافة أن الدستور المصري ينص على إلزامية وضع الدولة لخطة شاملة لمحاربة الامية الهجائية والرقمية[21]،وحظر الدستور المصري تشغيل الاطفال قبل إتمام التعليم الاساسي أيضا[22]،اما فيما يخص الدستورين التونسي والمغربي فتبقى طرق التنصيص على الحق في التعليم جد محتشمة بالمقارنة مع الدستور المصري،ويعد الدستور المغربي الاضعف من حيث الضمانات،حيث تطرق الفصل 31 من الدستور المغربي لسنة 2011 “أن الدولة تعمل على تعبئة الوسائل المتاحة لتسير أسباب الاستفادة من الحق في تعليم عصري ميسر الولوج ذي جودة” دون التطرق لمسألة إلزامية التعليم لسن محددة،وتغيب مسألة مجانية التعليم لسن محدودة، ما يعتبر منافيا للمادة 13من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقر بإلزامية التعليم الابتدائي بمجانية[23] ما بالنسبة للدستور التونسي فهو قريب من الدستور المصري في جعل التعليم لحدود السادسة عشر سنة لجميع الاطفال إلزامي[24] ويؤكد على مجانية التعليم بكامل مراحله دون أن يصل إلى تخصيص جزء ثابت من الميزانية العامة لدولة لتنفيذ فصول الدستور كما هو الحال عليه في الدستور المصري.

أما بالنسبة للحق في الصحة الذي ينص عليه العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته 12. تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه. تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تلك التدابير اللازمة من أجل:
(أ) العمل علي خفض معدل موتي المواليد ومعدل وفيات الرضع وتأمين نمو الطفل نموا صحيا،
(ب) تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية،
(ج) الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها،
(د) تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض..

فالدساتير الثلاثة نصت على الحق في الصحة لكن بصيغ مختلفة فالبنسبة للدستور المصري فقد تطرق للحق في الصحة في مادته 18 وتعهد الدستور للحفاظ على المرافق العامة الصحية وتخصيص نسبة 3 بالمائة من الانفاق الحكومي  لهذا المجال مع إمكانية تصاعدها إلى أن تصل المستويات العالمية،وكذا إلتزام بتوفير التأمين الصحي لكافة المواطنين،وجرم الدستور المصري الامتناع عن تقديم الخدمات الطبية بكل أشكاله لكل إنسان في حالة طورائ أو خطر على الحياة.

أما الدستور التونسي فقد نص في مادته [25] بصيغة أكثر تقدما في صيغة الوثيقة الدستورية المصرية

الصحة حق لكل إنسان.

تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات

الصحية تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند، ولذوي الدخل المحدود وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون.

فالتنصيص على الحق في الصحة في الفقرة الاولى من الفصل 38 وكذا ضمان العلاج المجاني لفاقدي السند،ولذوي الداخل المحدود وكذا التغطية الصحية وفق ما ينضمه القانون تبقى صيغة متقدمة على الدستورين المصري السابق الذكر والدستور المغربي هذا الاخير نص على الحق في الصحة بصيغة محتشمة ليس فيها ما يلزم الدولة بتوفير هذا الحق فصيغة الفصل 31 لا توحى إلى شيء من الالزامية في ضمان الحقوق الواردة فيه بحيث أن الفصل يلزم الدولة بتوفير الوسائل المتاحة ،لتسير أسباب استفادة المواطنين من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية هذه الصيغة تجعل الحق مرتبط بالإمكانيات التى ترى الدولة أنها تتوفر عليها لضمان الحق،وكذا غياب أي تنصيص على مجانية الولوج للمرافق الصحية كما هو متضمن في الدستور التونسي السابق الذكر.

أما على مستوى التنصيص على الحق في الشغل فالدستور المغرب ينطبق عليه ما ذكر في الحق في الصحة والتعليم  وذلك لغياب ضمانات دستورية عند التنصيص على حق الشغل حيث تطرق الفصل 31 من الدستور المغربي على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في …. “ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛” هذه الصيغة تجعل من الحق في الشغل مرتبط بما يوفره سوق الشغل من مناصب ويجعل الدولة تقف وقوفا محايد إتجاه ضمان الحق في التشغيل وهذه الصيغة أيضا لا تلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لضمان الحق ،وجعلت الولوج للوظائف الحكومية مرتبط بما يضمن التوازن المالي للدولة وجعل ولوجها حسب الاستحقاق.

أما الدستور التونسي قينص في الفصل 40 منه على ما يلي

العمل حق لكل مواطن ومواطنة، وتتخذ الدولة التدابير الضرورية لضمانه على أساس الكفاءة والإنصاف. ولكل مواطن ومواطنة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل” هذه تختلف على صيغة الدستور المغربي باعتبار الدستور التونسي يلزم الدولة بضرورة إتخاذ التدابير للازمة لتمتع بهذا الحق عكس صيغة الفصل 31 من الدستور المغربي ويؤكد الدستور التونسي على العمل مقابل أجر عادل وهذا ما أغفله الدستور المغربي كذلك،أما الدستور المصري فإنه إعتبار أن العمل حق وواجب وشرف[26] تكفله الدولة ويؤكد الدستور المصري على عدم جواز العمل جبرا وعلى ضرورة ربط العمل بأجر عادل وكذا حماية اجتماعية للطبقة العاملة من أي تعسف من طرف أرباب العمل وخلق علاقة متوازنة بين طرفي العلاقة الانتاجية[27] وعلى الوظائف العمومية للمواطنين على أساس الكفاءة ،دون محاباة أو وساطة.

 

 

 

 

خلاصة عامة :

الطريق نحو التقدم والرقي والنمو والاستقرار يمر عبر قناة الالتزام قولا وعملا بحقوق الإنسان وحرياته الاساسية، بحيث أن أكثر الدول تخلفا في العالم هي الدول الأكثر انتهاكا لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية  والعكس صحيح، باعتبار أن العالم الآن يعيش زمن حقوق الإنسان، فالدول الأكثر استقرارا هي الدول المحترمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، باعتبار أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بالترسانة العسكرية والاحتياطات الأمنية التقليدية كما يروج لذلك، الاستقرار يأتي انطلاقا من بناء المواطن الحر المنتج والمنتمي لوطنه وأرضه، وليس هناك أمن حقيقي ودائم بدون احترام حقوق الإنسان واحترام الحريات المدنية والسياسية للمواطن فإنه كلما تقدم المجتمع في منح الحقوق الدستورية والسماح بالتعددية السياسية والفكرية وضمان حرية الرأي والتعبير كلما تعزز بالمقابل الأمن والاستقرار وحل الاطمئنان والأمان الداخلي وتعمق التلاحم الوطني وازدياد الولاء للوطن.

المراجع المعتمدة:

الكتب

الرسائل والاطروحات. 

الدساتير والاتفاقيات الدولية.

 

 

 

 

[1] تقسيم الاستاذة رقية المصدق  للسلطة  التأسيسية  _­­سلطة تأسيسية فرعية وسلطة تأسيسية اصلية

[2] د.رقية المصدق الحريات العامة وحقوق الانسان ،مطبعة النجاح،ط1،1999،ص45

[3] د.يوسف الفاسي الفهري،القانون الدولي لحقوق الانسان من خلال دساتير المغرب العربي، أطروحة لنيل الدكتوراه ،جامعة محمد الخامس الرباط،1990-1991

 

[4] نقصد هنا بالقوى الحية هيئات المجتمع المدني التي ناضلت من أجل إقرار مجموعة من الحقوق لفائدة الشعوب والأقليات

[5]-سحر محمد نجيب، التحكيم الدستوري  كضمانات حقوق الإنسان وحرياته، دار الكتب القانونية، مصر- ص 63

[6]-محمد الإمام ماء العينين، حالة حقوق الإنسان بالبلدان المغاربية غداة ثوراته الربيع العربي، مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية CERH50، ص 44، وجدة 2013.

[7]  عبد السلام هماش،دراسة في مفهوم التدويل وإستخدماته في القانون الدولي العام،مجلة العلوم والشريعة في الجامعة الاردنية ،المجلد 38 ،ص602

[8]  رقية المصدق ،حقوق الانسان والحريات العامة

[9]  العهد الاكبر الماجنا كارتا أو الميثاق الأعظم هي وثيقة إنجليزية صدرت لأول مرة عام 1215م. ثم صدرت مرة أخرى في القرن الثالث عشر ويحتوي ميثاق عام 1215م على أمور عدة منها مطالبة الملك بأن يمنح حريات معينة وأن يقبل بأن حريته لن تكون مطلقة، وأن يوافق علناً على عدم معاقبة أي “رجل حر” إلا بموجب قانون الدولة وهذا الحق ما زال قائماً حتى اليوم في هذه الدول.

[10]  الفاسي مرجع سابق ،ص104

[11]  رقية المصدق،الحريات العامة وحقوق الانسان ،النجاح الجديدة،1999،ص45

[12]  ساير عبد الفتاح،نظرية أعمال السيادة،دراسة مقارنة في القانون المصري والفرنسي ،القاهرة،مطبعة جامعة القاهرة ص7

[13]  ديباجة دستور المملكة المغربية لسنة 2011

[14]  جمهورية  مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري

ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون.

الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي، تنتمى

الى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم فى بناء الحضارة الإنسانية

 

[15]  الفصل 3 من الدستور التونسي:الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الاستفتاء

المادة4 من الدستور المصري:السيدة للشعب وحده يمارسها ويحميها وهو مصدر السلطات ويصون وحدته الوطنية التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

الفصل 2 من الدستور المغربي: السيدة للامة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسيطة ممثلها.

[16]  الفصل 22 من الدستور التونسي

[17]  رقية المصدق ،مرجع سابق ص 26

[18] المادة 19 من الدستور المصري لسنة 2014

[19]  المادة 25 من الدستور المصري لسنة 2014

[20]  المادة 25 من الدستور المصري لسنة 2014

[21]  المادة 25 من الدستور المصري  لسنة 2014

[22]  المادة 80 من الدستور المصري لسنة 2014

[23]  المادة 13 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966

[24]  الفصل 19 من الدستور التونسي

[25]

[26]  المادة 12 من الدستور المصري

[27]  المادة 12 من الدستور المصري

Exit mobile version