Site icon مجلة المنارة

التدبير الجهوي للميزانية العامة للدولة

التدبير الجهوي للميزانية العامة للدولة

نادية دوباج

طالبة باحثة بمركز الدراسات للدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –أكدال-

جامعة محمد الخامس بالرباط

التخصص: القانون العام.

 

تمثل الميزانية المرآة التي تعكس السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، باعتبارها تختزل أولويات وتوجهات الدولة في شتى المجالات، ومن الطبيعي أن تخضع من فترة إلى أخرى لتعديلات تتلاءم مع خصوصيات الظرفية التي وضعت فيها، فبنية الميزانية ومضمونها يتشكلان تبعا لاحتياجات ورهانات كل مرحلة على حدة.

وبالنظر إلى أهمية الجهة في تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي متوازن بين مختلف مناطق المملكة، ظهرت ضرورة إدماجها ضمن التبويب الهيكلي للميزانية العامة للدولة، بهدف ضمان توزيع عادل ومتكافئ للموارد المالية بين مختلف فئات المجتمععلى مستوى مجموع التراب الوطني، حيث شكل هذا الأمر تحديا كبيرا بالنسبة للمغرب، اتخذت بشأنه الحكومة عدة تدابير قانونية وإجرائية تؤسس لنمط تدبيري جديد يجعل من المجال الترابي مرتكزا أساسيا لتنفيذ النفقة العمومية، وإطارا لإقرار السياسات العمومية وتنفيذها.

ويعتبر صدور منشور عن وزير المالية بتاريخ 17 يناير 2005 حول ملاءمة التبويب الإداري لميزانية الدولة مع البعد الجهوي، أحد التدابير الإجرائية التي اتخذتها السلطات التنظيمية لتدعيم سياسة اللاتركيز واللامركزية، وذلك من أجل الاستجابة لمتطلبات إدارة القرب، وإضفاء شفافية أكثر على مخصصات كل جهة من اعتمادات الميزانية العامة، لتصبح الجهة شريكا حقيقيا في كل مشروع تنموي، ولتحوز على قسط أوفر من الإمكانيات البشرية والمالية التي تؤهلها أكثر لربط علاقات تعاقدية وتشاركية مع مختلف المتدخلين سواء المركزيين منهم أو المحليين، ومن تم إضفاء نجاعة مجالية على البرامج الحكومية.

وقد شكلت سنة 2006، نقطة إنطلاق حقيقية لتطبيق استراتيجية المقاربة الجهوية لتدبير الميزانية، إذ عمدت جل الوزارات على اعتمادها ضمن ميزانياتها الفرعية، لإبراز مجهوداتها التنموية على المستوى الترابي في بعده الجهوي، حيث أحدث هذا الإجراء تغييرا جوهريا في أنماط التدبير العمومي، وعمل على توضيح وتنظيم اختصاصات كل من الإدارات المركزية ومصالحها اللاممركزة، كما ألزم رؤساء القطاعات الوزارية بإعداد تصاميم مديرية للاتمركز الإداري([1])، وتفويض الاختصاصات والوسائل المادية والبشرية والمالية إلى الإدارات الترابية.

إن الدراسة الشمولية لموضوع هذا المقال، تقتضي الإجابة على الأسئلة التالية:

– ما هي الأسباب المؤدية إلى اتخاذ الجهة كأساس مرجعي لتوزيع اعتمادات الميزانية العامة للدولة؟

– ما طبيعة المقاربة الجهوية لتدبير اعتمادات الميزانية العامة للدولة؟ والأهداف المتوخى منها؟

– ما هي النتائج المترتبة عن تفعيل هذه المقاربة؟ وما مدى نجاعتها في تحقيق أهداف الحكامة على المستويات الإدارية والمالية والتنموية.

عوامل إقرار البعد الجهوي في تدبير الميزانية العامة للدولة

لقد اتخذ المغرب من اللامركزية إطارا لتدبير الشأن المحلي، ومن اللاتركيز أداة لتوزيع السلط والوسائل بين الإدارات المركزية ومصالحها اللاممركزة على المستوى الترابي، فهما نظامان متكاملان، إذ يعد اللاتركيز دعامة ضرورية لكل سياسة تهدف إلى تطوير اللامركزية وتحقيق التنمية في بعديها المحلي والجهوي، وهذا ما حرصت السلطات المغربية على تطبيقه، حيث اتجهت الجهود بعد الاستقلال نحو إحداث مصالح غير ممركزة لمعظم الوزارات والإدارات المركزية على صعيد العمالات والأقاليم، حيث فرض المستوى الإقليمي نفسه أولا كمستوى أساسي لهيكلة الإدارة الترابية([2])، قبل أن تصبح الجهة مجالا جديدا لعدم التمركز بمقتضى دستور 1996.

فرهان التنمية الجهوية يفرض على الإدارات المركزية في إطار سياسية اللاتركيز الإداري، إحداث مصالح غير ممركزة على مستوى الاختصاصات والموارد في كل الجهات، إذ أصبحت هذه الأخيرة مجالا ترابيا جديدا، يمكن من تعيين مواقع الاستثمارات تعيينا محكما، ومن التدرج نحو اللامركزية الإدارية([3]).

فاختيار الجهة كفضاء جديد لاستقطاب المصالح الخارجية للوزارات، إنما تستدعيه عوامل وأبعاد ذات حمولة سياسية وإدارية وتنموية.

1- عوامل سياسية:

لقد شكل صدور قانون 96-47 المنظم للجهة منعطفا حاسما في التطور الإداري المغربي، حيث أصبح للجهة قانونا خاصا بها، ينظم اختصاصاتها وطريقة انتخاب أعضاء مجالسها وعلاقاتها بسلطات الوصاية.

ونتج عن هذا التكريس القانوني، بروز الجهة كطرف مساهم في سياسة إعداد التراب الوطني([4])، باعتبارها مجال ترابي يضم من المؤهلات الطبيعية والجغرافية والبشرية ما يجعل منها شريكا أساسيا في تحقيق التنمية الشاملة، الأمر الذي يفرض ضرورة تواجد أجهزة الدولة على ترابها، من خلال خلق مديريات جهوية لمختلف الوزارات، مع ما يتطلبه ذلك من عدم تركيز الاعتمادات على مستوى الجهات.

وبصدور الدستور الجديد لسنة 2011، أصبحت الجهة تلعب دورا رياديا في تحقيق التنمية الجهوية، إذ بوأها الدستور الحالي مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، فيما يخص عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب[5].

كما حرص الدستور الجديد على توضيح العلاقة بين الجماعات الترابية والمصالح المركزية للوزارات وذلك من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 145 التي تنص على ما يلي: ” يعمل الولاة والعمال، باسم الحكومة، على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، كما يمارسون المراقبة الإدارية.

يساعد الولاة والعمال رؤساء الجماعات الترابية، وخاصة رؤساء المجالس الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية .

يقوم الولاة والعمال، تحت سلطة الوزراء المعنيين، بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية، ويسهرون على حسن سيرها”.

وهكذا، يتضح أن البعد السياسي لعدم تركيز الاعتمادات على مستوى الجهة، مستمد من الدور السياسي الذي تلعبه هذه الأخيرة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ثلاث زوايا:

الزاوية الأولى: من خلال الدور المحوري الذي تلعبه الجهة كوحـدة لامـركزية في إعداد سياسة عامة للتراب الوطني، إذ لا يمكن صياغة هذه السياسـة إلا عـن طريق التعرف على الواقع الجهوي، وإدارة متخصصة قادرة على القيام بهـذه المـهمة.

الزاوية الثانية: تتمثل في كون الجهة تشكل مجالا ترابيا جديدا لإعادة انتشار المصالح التمثيلية للدولة، وهو ما من شأنه توسيع مجال لاتمركز السلطات والوسائل، وبالتالي تدعيم مبادئ الديمقراطية المحلية.

الزاوية الثالثة: تتجلى في المكانة الرفيعة التي يحتلها عامل العمالة أو الإقليم مركز الجهة، فهو يعتبر أهم سلطة في سلم الإدارة الجهوية، حيث يستمد سلطته هاته من الصلاحيات الموكولة له بموجب قانون 47.96، الذي يمثل استمرارية وتأكيدا لمقتضيات الفصل 101 من دستور 13 شتنبر 1996 ومرسوم 6 أكتوبر 1993، وهذه التقوية لمركز العامل تجد تفسيرها في كونه ممثلا لجلالة الملك من جهة ومندوب للحكومة من جهة أخرى([6])، ولهذه الغاية فهو يعتبر الجهاز الأنسب لتحمل مسؤولية تدبير وتنسيق عمل المصالح الخارجية للوزارات المتواجدة داخل دائرة نفوذه الترابي، الأمر الذي دفع السلطات العمومية إلى اختيار وتفضيل هذه الجماعة المحلية كمجال ترابي لعدم تركيز اعتمادات الدولة، نظرا لوجود الوالي الذي يسهر بصفته ممثل للدولة على مستوى الجهة على حسن تنفيذ القرارات الوزارية وتأمين التنسيق فيما بينها([7])، ضمانا لحسن تنفيذ النفقات العمومية، وعدم جعلها عرضة للضياع، فالوالي يعد بمثابة رقيب لعمل الدولة على المستوى الجهوي.

لكل هذه الاعتبارات، تعتبر الجهة المجال الأنسب لعدم تركيز الاعتمادات من الناحية السياسية، إذ يتجلى الهدف الأساسي من إحداث الجهة هو البحث عن مقاربة جديدة لتدبير الشأن العام، مقاربة تسد ثغرات النظام اللامركزي، وتعطي للامركزية بعدا جديدا يتجاوز تسيير الشؤون الإدارية المحلية إلى البحث عن فرص التنمية المحلية، وسبل إحداث توازن بين مختلف مناطق المملكة.

فشساعة الرقعة الجغرافية للجهة تسمح لها باستيعاب الاختلالات المجالية والاقتصادية بين الأقاليم وبين المراكز الحضرية والقروية([8])، ووجود إدارة كفأة في هذا المجال، سيمكن من القيام بتهيئة عامة ومعالجة مجالية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، كما أن حضور الوالي كممثل للدولة على مستوى الجهة، وسهره على تنسيق عمل المصالح الخارجية على هذا المستوى، لا يسمح فقط بملاءمة الأهداف المحلية مع السياسة العامة للدولة، بل يتيح أيضا للإدارات المركزية إمكانية تتبع تنفيذ ميزانياتها على مستوى الجهات، وبالتالي فإن السيطرة على عدد محدود من الجهات يعتبر أيسر من مراقبة عدد كبير من الأقاليم.

فمن شأن تكريس تدبير لامتمركز للميزانية على مستوى الجهة، تعزيـز الديمـقراطية المحلية، ومنح الجهات الموارد المالية الكفيلة بإنعاش نموها الاقتصادي والاجتـماعي، حيث أن السلطة المركزية لا تفوض عمليا إلا ما يمكن أن تـتحكم فيـه وتـراقبه([9]).

وتزداد أهمية الجهة في كونها أصبحت مشروعا مجتمعيا قائما بذاته، وهدفا مشتركا للعديد من السياسات القطاعية، وهو ما دعا إلى ضرورة التفكير في تأسيس لجنة استشارية خاصة بالجهوية، تقوم ببلورة تصور شمولي خاص بها، فهذه اللجنة التي أعلن عن تأسيسها جلالة الملك في خطاب 3 يناير 2010، جعل من بين أهم مرتكزاتها توسيع دائرة اللاتمركز الإداري، حيث صرح جلالته في هذا الخطاب بما يلي:

<<رابعا: انتهاج اللاتمركز الواسع، الذي لن تستقيم الجهوية بدون تفعيله، في نطاق حكامة ترابية ناجعة، قائمة على التناسق والتفاعل>>.

والمغزى من ذلك، أن الجهوية لا يمكن أن تتقدم إلا بوجود إدارة جهوية، مؤهلة لإعداد وتنفيذ برامج جهوية، على اعتبار أن الجهوية المتقدمة واللاتمركز الواسع يشكلان تحديا لإصلاح الإدارة المغربية.

2- عوامل إدارية

تتجه الوزارات اليوم نحو تكثيف تمثيليتها أكثر على المستوى الجهوي، استجابة للخطاب الرسمي المغربي الذي يجعل من الجهة مرتكزا جديدا لبلورة أي مشروع تنموي، وهذا ما أكدته الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى السيد الوزير الأول بتاريخ 09/01/2002 حول التدبير اللامتمركز للاستثمار، حيث دعا جلالته الحكومة إلى: “إعداد إصلاح لهيكلة المندوبيات الجهوية للإدارات المركزية بقصد التقليص مـن المرافق وتجميعها للمزيد من التفاعل والتناسق والتقريب فيما بينها، كما ندعوها لدراسـة ووضع نظام أساسي خاص بموظفي الإدارة الترابية لجعله أكثر تحفيزا لأكـفأ العناصر في إدارتنا على اختيار مزاولة عملهم في جهات المملكة وليس فقط إدارات المـركزية”([10]).

فنجاح سياسة اللاتركيز، لا تكمن فقط في إنشاء مصالح خارجية، وإنما يجب أن تتوفر هذه المصالح على الوسائل البشرية والمادية والمالية اللازمة لبلورة مشاريعها وبرامجها، وهذا ما يمكن تحقيقه على مستوى الجهات، فإذا كان من الممكن أن تتوفر الوزارات على مصالح خارجية مجهزة ببنية تحتية وبالوسائل الضرورية على مستوى الجهات، فإنه من الصعب أن تتوفر نفس الوزارة في كل عمالة أو إقليم على مندوبيات إقليمية حقيقية([11]).

3-عوامل تنموية

جاء في بيان الأسباب لقانون رقم 96-47 المتعلق بتنظيم الجهات ما يلي: “فإن الخلاصات الأساسية الكامنة وراء إحداث الجهة تتمثل أولا وبالأخص، ما أكد صاحب الجلالة نصره الله عدة مرات، في توفير مجال للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولهذه الغاية فالجهة ستعمل على تشخيص وترتيب طاقاتها وحاجياتها لتحديد أولوياتها، وهكذا فإن السلطات العمومية ستكون قادرة على تقديم المساعدة على المستويات التقنية والمالية لتدعيم الأعمال التنموية التي تحركها الجهة”([12]).

يتبين من خلال هذا المقتطف، أن الجهة تشكل نقطة الانطلاق لأي مشروع تنموي، حيث أن مسار التنمية يبدأ من خلال التعرف على المجال، لتحديد الحاجيات ورصد الأولويات، ومن ثم وضع أهداف محددة من خلال رسم سياسة أو استراتيجية تستجيب لمتطلبات الجهة وتنسجم مع التوجهات العامة للحكومة.

فرهان التنمية الجهوية، يجعل الجهة تتميز عن باقي أصناف الجماعات المحلية الأخرى، وهو الشيء الذي يخول لها إمكانية الإستفادة بنصيب أوفر من عدم تركيز الاعتمادات، نظرا لدورها الريادي في تشجيع الاستثمار وتحقيق تنمية شاملة([13])، كما أن إسناد سلطة التنسيق بين المصالح الخارجية على مستوى الجهة للوالي، سيمكن من انسجام السياسات القطاعية على مستوى الجهة، وبالتالي تحقيق تنمية جهوية مندمجة.

طبيعة المقاربة الجهوية لتدبير الميزانية العامة للدولة

تنطوي المقاربة الجهوية لتدبير الميزانية على توزيع اعتمادات الميزانية العامة للدولة حسب الجهات، ويمكن في هذا الإطار رصد بعدين تحملهما هاته المقاربة: بعد شكلي وبعد كيفي.

1-من ناحية المضمون:

تكمن الغاية من إدماج العنصر الجهوي ضمن الرموز المرجعية للاعتمادات المفتوحة في الميزانية، في إبراز المجال الجغرافي لصرف النفقات العمومية، بغية تحديد مساهمة كل قطاع وزاري في عملية التنمية الجهوية، وبالتالي إضفاء شفافية أكثر على المعلومات المتوفرة في الميزانية في بعدها الجهوي([14]).

فمن شأن إدماج هذه الرموز الجهوية ضمن تصنيفات الميزانية العامة، أن يعكس البعد الجهوي لهذه الميزانية إلى جانب الأبعاد الإدارية والاقتصادية والوظيفية المعمول بها إلى حد الآن، وهو ما يعبر عن إرادة الحكومة في إرساء دعائم تدبير مجالي مبني على النتائج وعلى الشفافية والفعالية في توزيع النفقات العمومية.

وهكذا أصبح البعد المجالي هو المتحكم في برمجة وتنفيذ السياسات العمومية، عن طريق ربط فتح اعتمادات في الميزانية بإنجاز مشاريع يتم تحديد موقعها مسبقا، وتشكل الجهة الوحدة القياسية لتوزيع وتوطين تلك المشاريع في المناطق الأكثر ملاءمة، وذلك بغية إضفاء نجاعة مجالية على البرامج العمومية.

2- من ناحية الشكل:

في إطار ملاءمة الميزانية مع متطلبات الجهوية المتقدمة، تمت المبادرة إلى مراجعة تصنيفات الميزانية العامة للدولة، بإدماج العنصر الجهوي ضمن الرموز المرجعية للاعتمادات المفتوحة([15])، وذلك بمقتضى منشور لوزير المالية الصادر بتاريخ 17 يناير 2005 حول ملاءمة التبويب الإداري للميزانية مع البعد الجهوي.

وهكذا تم إدماج الرمز الجهوي على مستوى المادة، حيث أصبح رمز المادة يتوفر على أربعة أرقام (xy00) عوض رقمين (xy) ([16])، وقد تم تقسيم كل مادة إلى 16 تقسيم فرعي انطلاقا من xy01 إلى xy16 بكيفية تتطابق مع عدد جهات المملكة الستة عشر.

فالرقمين الأولين أي (xy) يشيران إلى الهياكل الإدارية التي تتكون منها وزارة معينة، كالمديريات، المصالح الخارجية للوزارات، الأكاديميات…

أما الرقمين الأخيرين، فيشيران إلى الجهة التي ستستفيد من جزء من حصة النفقات المرصدة لأحد الهياكل الإدارية السابق ذكرها، حيث تظل كل جهة محتفظة برمزها بالنسبة لجميع الهياكل الإدارية، وبالنسبة لجميع الوزارات.

وهكذا، فقد تم اعتماد البعد الجهوي ابتداء من يناير 2006 بالنسبة لنفقات الاستثمار في كل من الميزانية العامة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، والميزانيات الملحقة والحسابات الخصوصية للخزينة، ليقع تعميمه بعد ذلك تدريجيا ابتداء من سنة 2007 ليشمل فصول التسيير وجذاذات أعداد الموظفين([17]).

وعليه، فالترميز الذي أصبح مخصص لكل جهة من جهات المملكة هو كالتالي([18]):

 جهة واد الذهب الكويرة……………………….. xy01
 جهة العيون بوجدور الساقية الحمرا………… xy02
 جهة كلميم السمارة……………………………… xy03
 جهة سوس ماسة درعة………………………… xy04
 جهة غرب شراردة بني حسن………………… xy05
 جهة الشاوية ورديغة…………………………… xy06
 جهة مراكش تانسيقت الحوز…………………. xy07
الجهة الشرقية…………………………………… xy08
 جهة الدار البيضاء الكبرى……………………. xy09
 جهة الرباط سلا زمور زعير…………………. xy10
 جهة دكالة عبدة…………………………………. xy11
 جهة تادلة أزيلال……………………………….. xy12
 جهة مكناس تافيلالت…………………………… xy13
 جهة فاس بولمان……………………………….. xy14
 جهة تازة الحسيمة تاونات…………………….. xy15
 جهة طنجة تطوان………………………………. xy16

ومن ناحية أخرى، فقد لا تشير المادة إلى أية جهة، فيصبح رمز المادة xy00، ويعني الرقم (00) النفقات المتعلقة بالمشاريع والأعمال ذات الصبغة الوطنية، أو النفقات التي تهم جهتين أو أكثر وتبقى غير قابلة للتوزيع([19]).

ولتوضيح الشكل الذي أضحت تقدم به الميزانية العامة للدولة، ندلي في التالي بنموذج جزئي منها: – ميزانية الاستثمار لوزارة الاقتصاد والمالية –

* المادة 3002: إدارة الجمارك والضرائب الغير مباشرة (جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء).

* المادة 4001: الخزينة العامة للمملكة (جهة واد الذهب لكويرة).

مرتكزات التدبير اللامتمركز للاعتمادات

يتجسد عدم تركيز الاعتمادات في نقل الاعتمادات المالية من الإدارة المركزية لفائدة مصالحها الخارجية، ويشكل هذا الإجراء أحد أهم مرتكزات التدبير اللامتمركز للاعتمادات، إلى جانب الإجراءات المشار إليها في منشور الوزير الأول المتعلق بملاءمة الميزانية وتنفيذها مع اللاتركيز، والمتمثلة في شمولية الاعتمادات المفوضة وتكريس مسؤولية المصالح اللاممركزة.

1- تحويل الاعتمادات المالية من المركز إلى المحيط:

تتحقق هذه العملية عن طريق تفويض الاعتمادات المالية إلى رؤساء المصالح الخارجية، من أجل تمكينهم من ممارسة المهام المسندة إليهم بكل فعالية واستقلالية، في إطار إقرار سياسة مجالية للتدخلات القطاعية، لذا فعلى الإدارة أن تتخلى عن مبرر قلة الوسائل المالية للحفاظ عليها ومركزتها، والعمل على تفويضها للمصالح الخارجية القادرة على اختيار المشاريع ذات المردودية محليا وجهويا، مع ما يتطلب ذلك من توزيع محكم ومتوازن للكفاءات والمهارات بين المقر والشبكة، ومن الاستعمال المشترك والعقلاني للوسائل المتوفرة لدى المصالح الخارجية([20]).

ومن دون شك، فإن التطبيق السليم لهذا الإجراء، سيترتب عنه تحقيق النتائج التالية:

* تقريب الإدارة من المواطنين وتلبية حاجياتهم عن قرب وفي ظروف أحسن من حيث الجودة والفعالية والسرعة في التنفيذ.

* تخفيف العبء عن الإدارة المركزية، وتفرغها لممارسة مهامها الاستراتيجية المتعلقة بالتوجيه والتنسيق والتقييم([21])، واضطلاع المصالح الخارجية بمهمة تدبير ميزانية الدولة على المستوى الترابي.

* تحول المصالح الخارجية من مجرد وحدات لتنفيذ القرارات الوزارية إلى وحدات للتقرير وصنع السياسات المحلية.

* إقرار مسؤولية المشرفين على المصالح اللاممركزة عن نتائج تدبيرهم.

2- تدبير الميزانية على أساس النتائج:

لقد أبانت المقاربة التقليدية لتدبير الميزانية عن عدم فاعليتها في قيادة السياسات العمومية، وتخلفها عن مواكبة التحولات العميقة والمتسارعة التي أصبح يعرفها العالم اليوم، فكان لزاما البحث عن مقاربة أخرى قادرة على رفع تحديات التنمية، وتستجيب بشكل أفضل لمتطلبات الحكامة المالية.

وعليه، فقد قامت السلطات الحكومية، ابتداء من سنة 2002 بالترويج لمقاربة جديدة لتدبير الميزانية تقوم على أساس النتائج وليس على الوسائل كما كان سائدا في السابق، وتنطوي هذه المقاربة الجديدة على تحميل المسؤولية للمشرفين على التدبير حول أهداف محددة مسبقا ومنظمة بواسطة مؤشرات النجاعة.

فالغاية من هذا الإصلاح، تكمن في تحديث التدبير العمومي، والتحكم في النفقات العمومية، وإصلاح الرقابة، وترسيخ ثقافة الشفافية والفعالية والمحاسبة.

ومما لا شك فيه، فإن هذا الإصلاح سيحدث تغييرات جذرية على مستوى العلاقة القائمة بين الإدارات المركزية ومصالحها اللاممركزة، ما دامت هذه الأخيرة ستصبح مسؤولة عن تسيير الموارد البشرية والمالية الممنوحة لها، وذلك في حدود اختصاصاتها الترابية طبقا لالتزام صريح ومتفق عليه مع إداراتها المركزية حول كيفية تطبيق برامجها.

ويضم هذا الالتزام الأهداف ومؤشرات نجاعة أداء الإدارة اللاممركزة، حيث تمكن هذه المؤشرات من قياس النتائج لرصد مدى تحقق الأهداف بالنظر إلى الوسائل الممنوحة، ومقابل ذلك تقوم الإدارة المركزية بوضع الاعتمادات المالية اللازمة رهن إشارة الآمرين بالصرف المساعدين لممارسة مهامهم.

 

 

3– شمولية الاعتمادات([22]):

تعتبر شمولية الاعتمادات إحدى الآليات التي اعتمدتها الحكومة لتفعيل المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية، فإقرار مسؤولية الآمرين بالصرف والآمرين المساعدين بالصرف عن نتائج تدبيرهم، يقتضي تخويلهم هامش أكبر في استعمال الاعتمادات الموضوعة رهن إشارتهم مقابل الالتزام بتحقيق نتائج محددة.

ومن ثم، فان شمولية الاعتمادات المفوضة، تعتبر الآلية التي من شأنها تمكين المصالح اللاممركزة من اعتماد مقاربة أفقية فعلية لتدبير النفقات العمومية، لكونها تسمح بتفويض سلطة تدبير الاعتمادات الموضوعة رهن إشارة هذه المصالح للمسؤول الترابي عنها.

فهذه الآلية ستمنح الآمرين والآمرين المساعدين بالصرف مرونة وحرية أكبر في تدبير الاعتمادات، من خلال إمكانية تحويل الاعتمادات ما بين السطور داخل نفس الفقرة، دون الرجوع إلى تأشيرة وزارة الاقتصاد والمالية([23])، ولقد تم في هذا الصدد، وكإجراء أول، تعديل المادة 17 من المرسوم التطبيقي لقوانين المالية([24])، بمقتضى مرسوم 15 شوال 1422 (31 دجنبر 2002).

وللاستفادة من هذه المرونة، فانه يتعين على الآمر بالصرف تقديم مؤشرات مرقمة تطابق الموضوع المقرر لكل فقرة من الفقرات المخصصة لها في الميزانية المعنية، وتثبت بواسطتها العلاقة بين الاعتمادات المفتوحة والنتائج المتوخاة من استعمالها، حيث تمكن هذه المؤشرات من تحديد دقيق للأهداف وتقييم نجاعة التنفيذ([25]).

وكنتيجة لذلك، فان الآمر بالصرف الذي لا يقدم مؤشرات مرقمة، لا يتأتى له الحصول على إذن وزير الاقتصاد والمالية للقيام بالتحويلات المالية الضرورية ما بين السطور، حيث يمكن لوزير الاقتصاد والمالية رفض منح الترخيص إذا لم يقتنع بنجاعة المؤشرات المقدمة([26]).

وفي حالة منح الترخيص المذكور، فإن الآمر بالصرف يتحمل مسؤولية مباشرة عن بلوغ الأهداف المحددة له، مقابل الإمكانيات المالية والمادية الموضوعة رهن إشارته، ويبقى ملزما بتوجيه تقرير سنوي إلى وزير المالية حول تقييم المؤشرات المنجزة بالمقارنة مع النفقات المستعملة.

وقد انطلقت هذه المبادرة منذ سنة 2002 ويتم تفعيلها تدريجيا، وقد بلغت نسبة النفقات المعنية بهذه المقاربة حتى نهاية سنة 2008 حوالي 96% من ميزانية الاستثمار. وفيما يخص مؤشرات الأداء المتعلقة بالعمليات الملتزم بتنفيذها، فيتم تجميعها وعرضها على البرلمان سنويا مرفقة بمشاريع الميزانيات القطاعية.

وموازاة مع ذلك، فقد تم اعتماد مسلسل لافتحاص الأداء، حيث بلغ عدد القطاعات الوزارية التي شملها الافتحاص 13 قطاعا عند نهاية سنة 2008، وذلك بغية تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف التي يتعين تجاوزها([27]).

وإجمالا، تتحدد الأهداف المتوخاة من اعتماد هذه التقنية فيما يلي:

– دعم فعالية وفاعلية الإدارة المغربية.

– منح الآمرين بالصرف والآمرين بالصرف الثانويين حرية أكبر في استعمال الاعتمادات الممنوحة لهم.

– تنمية سياسة اللاتركيز الإداري.

– تحسين برمجة وظروف تنفيذ ومراقبة النفقات العامة.

أهداف إقرار البعد الجهوي في الميزانية

تتجلى الأهداف الكامنة وراء إدماج البعد الجهوي في الميزانية العامة للدولة في تعزيز مسلسل اللاتركيز الإداري، إضفاء الشفافية على المعطيات المالية المتعلقة بالجهة، وتأمين برمجة مجالية للتدخلات القطاعية.

1- تعزيز مسلسل اللاتركيز الإداري

من بين الأهداف التي ارتكزت عليها المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية([28])، توسيع مجال اللاتمركز داخل الإدارة العمومية، عبر تعزيز دور الممثليات المحلية للوزارات وتوسيع دائرة صلاحياتها.

ولقد تم لهذا الغرض، إصدار مجموعة من النصوص التنظيمية الهادفة إلى تكريس تدبير لامتمركز للميزانية على مستوى الجهات، تماشيا مع التوجهات الملكية السامية بخصوص تطوير اللامركزية في بعدها الجهوي مع تطبيق أمثل للاتمركز.

2- إضفاء الشفافية على المعطيات المالية المتعلقة بالجهة([29])

من بين التدابير التي اتخذتها وزارة الاقتصاد والمالية في إطار إصلاح منظومة الميزانية، اعتماد البعد الجهوي في تقديم الميزانية كآلية لتكريس الشفافية([30])، لما ينتج عنها من إغناء للمعطيات المالية للميزانية، فبموازاة المعلومات التي تقدمها هذه الأخيرة، من تحديد لطبيعة النفقة وموضوعها وانتسـابها المالي، فـإن هذه التقنية أضافت شيئا جديدا بالغ الأهمية ألا وهو التعرف على المجال الجغرافـي الذي ستصرف في نطاقه النفقة، إذ أصبحت النفقات تبرمج حسب الجهات، مما سيمكـن من التعرف مباشرة على حصة كل جهة من جهات المملكة من اعتمادات الميزانيـة العامة للدولة.

وبعد إدراج رموز جهوية على مستوى المادة، أصبح تصويت البرلمان يتم على أساس الاعتمادات المخصصة لكل جهة من مجموع الاعتمادات المرصدة للمادة، وليس على أساس طبيعة النفقة كما كان الأمر في السابق، وهذا ما سيضفي صبغـة مجالية على تصويت البرلمان بعدما كان يكتسي صبغة قطاعية، وبالتالي إحكـام رقابتـه على العمل الحكومي، حيث أصبحت مساءلة الحكومة عن نتائج تدبيرهـا تحكمهـا أبعاد جغرافية.

وفي إطار ملاءمة البعد الجهوي مع متطلبات التدبير المبني على النتائج، فقد تم اعتماده أيضا في إطار تقديم مؤشرات النجاعة، كمؤشر على إرادة الحكومة القوية في جعل الجهة وسيلة وغاية لتحقيق التنمية الشاملة.

وتمكن هذه المؤشرات من تحديد دقيق للأهداف ومن قياس درجة تحقيق تلك الأهداف، بالنظر إلى الوسائل المستعملة، حيث يتم إعداد المؤشرات من طرف الآمر بالصرف الذي يريد أن يستفيد من إمكانية استعمال الاعتمادات من سطر إلى آخر داخل نفس الفقرة، وينتج عن ترخيص وزير المالية للآمر بالصرف بتحويل الاعتمادات بين السطور داخل نفس الفقرة، تحمل الآمر بالصرف أو من ينوب عنه مسؤولية أو من ينوبه مسؤولية مباشرة عن بلوغ الأهداف المحددة له مقابل الإمكانيات المالية والمادية الموضوعة رهن إشارته، حيث تقاس هذه الأهداف بناء على المؤشرات المرقمة التي يتم إعدادها من قبل([31]).

وغير خاف، فإن الاتجاه نحو إضفاء بعد جهوي على تقارير مؤشرات النجاعة، سيمكن من التأكد من صحة إنجاز المشاريع المبرمجة على المستوى الجهوي، ومن إبراز مدى مصداقية الحكومة في جعل الجهة مجال لتوزيع النفقات العامة، وفضاء لتنفيذ وتقييم السياسات العامة.

وفي إطار تدعيم مبادئ الديمقراطية، فإن الحكومة تبقى ملزمة بالرفع من وثيرتها في إصدار قوانين التصفية، حتى تدمج ضمنها الرموز الجهوية الكفيلة بإظهار مدى التزام الحكومة في تنفيذ سياساتها العامة على المستوى الجهوي، وحتى تصبح للبرلمان رقابة فعلية وشاملة لجميع تدخلات الحكومة في كافة التراب الوطني.

3- تأمين برمجة مجالية للتدخلات القطاعية

إذا كان اللاتركيز الإداري ينطوي على توزيع عمودي للسلط بين المركز والمحيط، فإن تعقد المشاكل المحلية وتشعبها، يفرض إتباع سياسة أفقية تضمن مشاركة مختلف الفاعلين المحليين في تدبير الشأن المحلي، وذلك بغية توفير عنصري الإنسحام والتنسيق بين عمل كافة المتدخلين على المستوى المحلي.

فتداخل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتنوع الأنساق المجالية وحجم الحاجيات، كلها عناصر تفرض وضع منهجية ملائمة، ذلك أن المقاربة المركزية للتنمية تميل نحو تغييب المشاكل والقيود الخاصة وتقوي نمط ممنهج للتدخل، بحيث ينتج عنها توسيع الفوارق بين الجهات وبين الحاجيات والإمكانيات المخصصة لإشباعها، لذا أصبح من الضروري العمل على التقليص من الاختلالات المجالية الكبرى، والتقليص من الفوارق فيما بين الجهات، وداخل الجهات ما بين الوسط الحضري والوسط القروي([32]).

وفي هذا الاتجاه، فقد بادرت السلطات العمومية المغربية إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الرامية إلى إضفاء طابع مجالي على التدخلات القطاعية، فكان إدماج البعد الجهوي ضمن تصنيفات الميزانية العامة للدولة، من بين الإجراءات التي اتخذت في هذا المجال، حيث تم استخدام الميزانية كأداة لتحقيق التنمية المجالية المنشودة.

وهكذا أصبحت المقاربة المجالية موجه وهدف لكل سياسة عمومية، وهي مقاربة تؤسس لثقافة جديدة قوامها تكريس قيم العمل المشترك بين الوزارات على الصعيد المحلي، وبينها وبين مختلف الشركاء المحليين، فهي تحث الفاعلين الإداريين على العمل سويا في ظل التمازج والتعاون الدائمين، وذلك بغية إضفاء طابع التوافق والانسجام على عمل الدولة على الصعيد الترابي.

وتتحدد منهجية المقاربة المجالية في مستويين إثنين([33]):

المستوى الأول: يقوم على تشخيص المشكل العام انطلاقا من خصوصيات كل مجال ترابي على حدة([34])، حيث يمكن التراب من تقدير وتقييم الأشياء بشكل ملموس وأكثر وضوح([35])، وذلك من أجل اختيار الوسيلة الملائمة لكل مشكل ترابي على حدة.

المستوى الثاني: يتمثل في اعتماد مبدأ الشمولية في تدبير الشأن المحلي، أي الانتقال من التدبير المركزي والقطاعي إلى التدبير التصاعدي والأفقي للسياسات العمومية([36])، وهو ما يسمح بانفتاح الإدارة المحلية على مجموعة من الشركاء المحليين من مصالح خارجية وجماعات محلية ومنظمات المجتمع المدني، لضمان معالجة شمولية ومندمجة للمشكل الترابي([37]).

فالشمولية تعتبر الرابط الأساسي بين اللاتركيز والمجالية، لكونها تهدف إلى ضمان انسجام السياسات المحلية وملاءمتها مع الأهداف العامة للدولة.

وبمقتضى الدستور الجديد لسنة 2011، أصبح الوالي مكلف تحت سلطة الوزراء المعنيين، بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية، ويسهر على حسن سيرها، وذلك من أجل ضمان التنفيذ الفعلي للمقررات الوزارية من جهة، ومنع حدوث أي تعارض أو تصادم محتمل بين السياسات الجهوية، وبينها وبين السياسة العامة للدولة من جهة أخرى.

وإذا كانت السلطة المالية للوالي في علاقته مع المصالح اللاممركزة تبقى غير واضحة أو بالتحديد غائبة في التشريع المغربي، فإن الأمر يختلف في فرنسا، حيث أن ممثل الدولة على الصعيد الجهوي “le préfet” يشرع في ممارسة مهمته التنسيقية أثناء تحضير الميزانيات العملياتية للبرنامج([38])، إذ يشارك بصفة قبلية في حوار التدبير الذي تجريه كافة المستويات الإدارية والسياسية، وذلك بهدف ملاءمة الأولويات المحلية خاصة تلك المتضمنة في مخططات العمل الاستراتيجي للدولة على المستوى الجهوي “PASER” مع الأهداف الوطنية([39]).

وفي السياق ذاته، يقوم ممثل الدولة في الجهة بإعداد برنامج لتدخل الدولة على المستوى الترابي “PIT: Programme d’intervention territoriale de l’Etat”، يحدد فيه الاعتمادات المالية وكذا الوسائل اللازمة لإنجاز مشاريع الدولة على المستوى الترابي، كما يمكنه أيضا أن يعين من بين رؤساء المصالح اللاممركزة التابعة لنفوذه الترابي شخصا يصبح مسؤولا بالنيابة عن تنسيق عمل تلك المصالح، ولهذا الغرض يصبح ذلك الشخص متمتعا بصفة آمر بالصرف ثانوي مفوض، كما يقوم بالتوقيع على العقود في إطار تفويض الإمضاء.

وهكذا، ففي الوقت الذي نجد فيه ممثل الدولة في الجهة في فرنسا يشارك في عملية صنع القرار المالي أثناء تحضير القانون المالي، فإن العامل أو الوالي في المغرب يتدخل بعد المصادقة على القانون المالي، إذ يقتصر دوره فقط على مراقبة مدى التزام المصالح اللاممركزة بتنفيذ القرارات الصادرة عن الإدارات المركزية.

آليـات إقرار تدبير لامتمركزللإعتمادات

يتأسس التدبير اللامتمركز للميزانية على دعائم عملية، ووسائل تقنية، تتمثل في الأساس بإعداد تصاميم مديرية للاتركيز الإداري، تعيين آمرين بالصرف ثانويين ، ثم تفويض الاعتمادات .

 

 

 

1-تصاميم مديرية للاتركيز الإداري

تستلزم سياسة اللاتركيز الإداري إقامة مرجع أساسي لتنظيم القطاعات الوزارية، يشكل الإطار العام لتنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة، بخصوص توزيع الاختصاصات والوسائل فيما بينهما([40]).

وفي هذا السياق، ألزم مرسوم 2 ديسمبر 2005 الخاص بتنظيم القطاعات الوزارية واللاتمركز الإداري([41])، رؤساء القطاعات الوزارية بإعداد تصاميم مديرية للاتركيز الإداري([42])، والتي يجب أن تتضمن ما يلي:

– الاختصاصات المزمع نقلها إلى المصالح اللاممركزة برسم السنة الجارية، وتلك التي سيتم نقلها لفائدتها خلال السنوات الموالية.

– عدد الموظفين والأعوان العاملين بالإدارات المركزية وبالمصالح اللاممركزة مصنفين حسب الإطار والدرجة.

– عدد الموظفين المزمع إعادة انتشارهم لفائدة المصالح اللاممركزة.

– الوسائل المادية والمالية المخولة للمصالح اللاممركزة وتلك المزمع وضعها رهن إشارتها.

– القرارات الإدارية الفردية المزمع الاحتفاظ بها من طرف الإدارات المركزية.

– المعطيات الميدانية والإمكانيات المتوفرة لدى القطاع المعني والإجراءات الضرورية والمدى الزمني لإنجاز هذه التصاميم.

ويتعين إنجاز هذه التصاميم خلال مدة تتراوح ما بين سنتين وخمس سنوات، ويتوجب على رؤساء القطاعات الوزارية توجيه هذه التصاميم إلى لجنة تنظيم الهياكل الإدارية واللاتمركز الإداري، لتتولى تحليل اقتراحات توزيع الاختصاصات والوسائل بين المصالح المركزية والمديريات الجهوية والمديريات الإقليمية والمصالح المكونة لها، كما تقوم أيضا باقتراح المعايير الضرورية لتنفيذها، وفي حالة عدم التوافق حول مضامين التصاميم، فإنه يمكن اللجوء إلى تحكيم الوزير الأول.

2- تعيين آمرين بالصرف ثانويين

قبل إجراء عملية تفويض الاعتمادات المالية لفائدة رؤساء المصالح الخارجية، فإن على الآمرين بالصرف الرئيسيين تعيين آمرين بالصرف ثانويين، يفوض إليهم بالاعتمادات المالية الضرورية لإنجاز المهام المسندة إليهم.

فطبقا للفقرة الرابعة من الفصل 64 من المرسوم الملكي المتعلق بسن نظام عام للمحاسبة العمومية([43])، فإنه “يجوز للآمرين بالصرف تحت مسؤوليتهم ومراقبتهم أن يعينوا طبق نفس الكيفية آمرين بالصرف ثانويين يفوضون إليهم في سلطاتهم ضمن الحدود المالية والترابية التي يبينونها”.

وبناء على هذه المقتضيات، يستفيد الآمرون بالصرف الثانويين (رؤساء المصالح اللاممركزة) من تحويل اعتمادات محددة من طرف الآمرين بالصرف الرئيسيين، مقتطعة من اعتمادات الميزانية المرصدة للقطاع الوزاري المعني، ويتمتعون بحق استئثاري في صلاحية التصرف في هذه الاعتمادات ضمن الحدود الترابية التي يتولون تدبيرها([44]).

ويمكن تعيين آمرين بالصرف مساعدين للحلول محل الآمرين بالصرف المفوضين[45] والثانويين([46])، في حال غيابهم أو إذا تعذر عليهم القيام بمهامهم.

3- تفويض الاعتمادات

تنطوي آلية تفويض الاعتمادات على تحويل الاعتمادات من المركز إلى المحيط، أي نقل مسؤولية تدبير الميزانية على المستوى المحلي للمسؤولين عن المصالح الخارجية، ومن شأن هذه الآلية تمكين المصالح الخارجية من تدبير الاعتمادات الممنوحة لها بكل حرية واستقلالية.

وحسب منشور الوزير الأول الصادر بتاريخ 30/06/2000 الخاص بعدم تركيز الاعتمادات وضبط وتيرة إصدار النفقات العمومية([47])، فإن تفويض الاعتمادات يشكل نمطا غير ممركز لتدبير الاعتمادات، يستهدف عقلنة تسيير المصالح الإدارية([48])، فبعد تعيين الآمر المساعد بالصرف ونائبيه، يصبح هؤلاء مؤهلون لصرف الاعتمادات المفوضة إليهم من لدن الآمر بالصرف الرئيسي، ولإصدار أوامر المداخيل المرتبطة بها وكذا تلك المتعلقة بمقررات الإعلان عن مديونية المحاسبين العموميين.

أهداف التدبير اللامتمركز للاعتمادات

إن الرفع من فعالية الإدارة الترابية، يقتضي تخويلها الاعتمادات المالية الكفيلة بتغطية مصاريفها، وتمويل مشاريعها وتدخلاتها، وهو الأمر الذي يفتح المجال أمام الإدارة المحلية إلى ربط علاقات تعاقدية وتشاركية مع مختلف الفاعلين المحليين. ومن هنا دعت الضرورة إلى اعتماد تدبير لامتمركز للميزانية، وذلك من أجل تحقيق الأهداف التالية:

* إضفاء المزيد من الشفافية والمرونة والنجاعة في تدبير الميزانية، حيث أن تدبير الشؤون المحلية عن قرب يعتبر أيسر من تدبيرها من المركز، لكون ذلك يسمح بالتعرف بشكل أفضل على حاجيات الساكنة المحلية([49])، وبالتالي تحديد الأولويات بدقة ووضوح كبيرين، بغية الاستجابة لها بالشكل المطلوب، وفي أقصى درجات النجاعة، وفي أقل وقت ممكن.

* الرفع من القدرة المالية للمصالح الخارجية، حتى تستجيب للمتطلبات الحقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية([50]).

* تقوية الحوار المباشر بين الدولة وشركائها المحليين، أي الجماعات المحلية، القطاع الجمعوي والقطاع الخاص([51]).

* تعزيز انسجام تدخلات الإدارات الترابية والتنسيق فيما بينها لوضع برمجة أكثر نجاعة على المستوى المحلي، وذلك عن طريق وضع ميكانيزمات للتنسيق والتشاور بين مختلف المرافق العامة([52]).

وسعيا وراء تحقيق تلك الأهداف، بادرت السلطات الحكومية إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الرامية إلى تحسين تدبير الشأن المحلي وتحديث ظروف تدبير المالية العمومية، وذلك بإصدارها لمجموعة من النصوص التنظيمية التي تخضع الميزانية العامة لمتطلبات اللامركزية واللاتركيز، ويتعلق الأمر بمرسوم 2 دجنبر 2005 المتعلق باللاتركيز الإداري، ومنشور 25 دجنبر 2001 المتعلق بملاءمة برمجة الميزانية وتنفيذها مع اللاتركيز، وذلك بهدف تبسيط مساطر ميزانية الدولة والتخفيف من حدة الرقابة المالية القبلية.

مظاهر تكريس البعد الجهوي في تدبير الميزانية

من بين الوزارات التي اعتمدت التصنيف الجهوي لتوزيع اعتمادتها، نجد وزارة الاقتصاد والمالية التي أدخلت تعديلات هيكلية في بنية ميزانيتها، وذلك من خلال اعتمادها لتصنيف جهوي في اعتماداتها المالية من جهة، ومن إقرارها لأساليب جديدة في التدبير تتجلى في دخول المديريات الجهوية التابعة لها في علاقات تعاقدية مع باقي المصالح اللاممركزة على المستوى الترابي.

1- التصنيف الجهوي لاعتمادات وزارة الاقتصاد والمالية

منذ إصدارها لمنشور حول ملاءمة تبويب الميزانية مع البعد الجهوي، عمدت وزارة الاقتصاد والمالية إلى مراجعة تبويب ميزانيتها ابتداء من سنة 2006 بإدراجها لرموز جهوية على مستوى كل مادة على حدة، حيث تمثل تلك الرموز الاعتمادات المخصصة لكل جهة من جهات المملكة من مجموع الاعتمادات المرصدة لإدارة مركزية ما.

ونعرض فيما يلي نموذج من ميزانية الاستثمار لوزارة الاقتصاد والمالية:

الـفـصـل مـادة فقـرة سـطر بـيـان الـمـصـالـح والـنـفـقـات
الــبــنــود
1.2.1.2.0.13.000        
  4000     الخزينة العامة للمملكة
  4001     جهة وادي الذهب الكويرة
    10   تحديث مواقع العمل وتحسين جودة الخدمات
      10 تشييد المباني الإدارية
      12 أشغال التهيئة والإقامة
  4002     جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء
    10   تحديث مواقع العمل وتحسين جود الخدمات
      15 دراسات التهيئة
      20 شراء عتاد وأثاث المكتب
  4003     جهة كلميم السمارة
    10   تحديث مواقع العمل وتحسين جود الخدمات
      13 مصاريف الإشهار والإعلان
      30 شراء عتاد تقني
  4016     جهة طنجة تطوان
        ” ” “

يتضح من خلال هذا الجدول، أن وزارة الاقتصاد والمالية قد التزمت فعلا بإدماج البعد الجهوي ضمن الرموز المرجعية لتوزيع اعتماداتها المالية في الجانب الاستثماري، وذلك بإضافة رقمين آخرين على مستوى كل مادة على حدة، ليصبح ترميز المادة يتضمن أربعة أرقام عوض رقمين، حيث يمثلان الرقمين المضافين الجهة التي ستوجه إليها جزء من اعتمادات مادة معينة.

2- إعتماد تدبير تعاقدي على المستوى الجهوي

لقد أفرزت المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية مجموعة من الآليات التي تروم تحديث طرق تدبير الشأن العام، فكانت المقاربة التعاقدية إحدى تلك الآليات التي تهدف إلى تغيير علاقات الإدارات المركزية مع مصالحها الخارجية، من خلال إبرام عقد بين مديرية جهوية وبين مصلحة خارجية تابعة لها توجد في أحد الأقاليم أو العمالات التابعة للنفوذ الترابي للمديرية الجهوية، ويحدد هذا العقد حقوق والتزامات كل من الطرفين، كما يتضمن أهداف مرقمة يتعين على المصالح المحلية تحقيقها، لذلك يلزم على الإدارات المركزية تمكين هاته المصالح من الوسائل المادية والمالية للنهوض بمهامها، ومقابل ذلك فهي تتحمل مسؤولية مباشرة عن النتائج المحققة.

إذا كانت هذه العملية تحمل طابعا ترابيا وجهويا بامتياز، فإنها تستمد مبادئها وكذا قواعدها وأهدافها من السياسة العامة للدولة، وهو ما يعني أن مرحلة إعدادها تبدأ من المركز، وهو ما يفرض ضرورة استعراض حيثيات بلورة هذه العقود انطلاقا من المستوى المركزي، ما دام الأمر يتعلق بتدبير سياسة عامة للدولة، تلزم تدخل هذه الأخيرة في جميع مراحل العملية.

3- تكريس المقاربة الجهوية ضمن القانون التنظيمي للمالية الجديد:

من بين المستجدات التي تضمنها القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13 الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.15.62 بتاريخ 2 يونيو 2015 هو تكريسه للمقاربة الجهوية عند تقديم قوانين المالية، إذ نص في إطار المادة 38 منه على ما يلي:

“1-……

2- تقدم نفقات الميزانية العامة، داخل الأبواب، في فصول منقسمة إلى برامج وجهات ومشاريع أو عمليات.

تقدم نفقات كل مرفق من مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، داخل كل فصل، في برنامج وعند الاقتضاء في برامج منقسمة إلى جهات ومشاريع أو عمليات.

تقدم نفقات كل حساب من الحسابات المرصدة لأمور خصوصية في برنامج وعند الاقتضاء في برامج منقسمة إلى جهات ومشاريع أو عمليات”.

يتضح من خلال مضمون هذه المادة، أن المقاربة الجهوية تعد أحد الركائز الأساسية ومدخلا مهما لتنفيذ الإصلاح الجديد للمالية العمومية بالمغرب، حيث أن الهيكلة الجديدة لقوانين المالية لا تتطلب فقط تقديم النفقات في إطار برامج ومشاريع أو عمليات، بل إن هذا التقديم يجب أن يظهر نصيب كل جهة من جهات المملكة من النفقات العامة، وذلك لإرساء المزيد من الشفافية في توزيع الاعتمادات المالية، وترسيخا لمفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولتحديد المجهود المالي المبذول على مستوى الجهات، فإن القانون التنظيمي للمالية ألزم من بين الوثائق التي يجب إرفاقها بمشروع قانون المالية، مذكرة حول التوزيع الجهوي للإستثمار، وذلك لتبيان نسبة استفادة كل جهة من النفقات الاستثمارية الكفيلة بتطويرها وتنميتها اقتصاديا واجتماعيا، في اتجاه تكريس توزيع عادل للاعتمادات بين الجهات، بما يحقق تنمية جهوية مندمجة.

 

النتائج المترتبة عن تفعيل البعد الجهوي للميزانية

من شأن إدماج البعد الجهوي ضمن تصنيفات الميزانية العامة للدولة تدعيم التوجهات الحكومية في مجال إرساء دعائم تدبير مجالي للشأن العام، وتطوير اللامركزية الجهوية، وتعزيز سياسة اللاتركيز الإداري، وذلك من خلال توسيع تمثيلية الدولة على المستوى الجهوي، واعتماد تدبير لامتمركز للميزانية، في أفق تحقيق تنمية جهوية متوازنة، تمكن من توسيع هامش المسؤولية لتشمل المدبرين الترابيين فيما يتعلق بالاعتمادات المفوضة لهم، وهو الأمر الذي يسمح بسهولة تتبع تلك الاعتمادات، وتطوير إمكانيات تحليل النفقات العمومية.

1- اعتماد هيكلة جهوية

تنطوي المقاربة الجهوية على إصلاح مؤسساتي عميق، يهدف إلى ملاءمة البنيات الإدارية للدولة مع متطلبات الجهوية المتقدمة واللاتمركز الواسع، وذلك بإحداث مصالح خارجية للوزارات ذات اختصاص ترابي، تتخذ من الجهة مستقرا لها، وإطارا لإعداد وتنفيذ السياسات العمومية.

وعلى هذا الأساس، اتجهت جل الوزارات إلى تحديث بنيتها الهيكلية، من خلال تعزيز تمثيليتها على المستوى الجهوي، تتوفر من الإمكانيات المادية والمالية والبشرية ما يؤهلها لبلورة مشاريع وبرامج جهوية، وذلك في إطار التزامات متبادلة مع الإدارة المركزية، بحيث تتحمل كل من المستويات المحلية والجهوية مسؤولية مباشرة عن النتائج المحققة.

2- اعتماد لاتركيز الاعتمادات على المستوى الجهوي

نتج عن إحداث مصالح خارجية للوزارات على مستوى الجهات، تخصيص اعتمادات مالية لهذه المصالح على مستوى الميزانية العامة للدولة، وهو إجراء يمكن من تكريس تدبير لامتمركز للميزانية، وإضفاء المزيد من النجاعة المجالية على السياسات العمومية.

3- التدرج نحو تفعيل تنمية جهوية متوازنة

تهدف المقاربة الجهوية إلى تحسين التوازن المجالي، من خلال توفير توازن هيكلي وتنموي بين الجهات، وذلك عن طريق إعادة توزيع الموارد والسلط بشكل متكافئ من الدولة نحو جميع جهات المملكة من ناحية، وبين الجهات من ناحية أخرى.

ففي إطار تدعيم سياسة التقارب الاقتصادي والاجتماعي بين الجهات، بادرت جل الوزارات المغربية إلى ملاءمة تدخلاتها الترابية مع هذا الرهان الجديد، بتعزيز تمثيليتها على مستوى الجهات، وتحويل اعتمادات مهمة لها، بغية تقوية القدرة التنافسية للجهات، والرفع من نجاعة برمجة وتنفيذ السياسات العمومية على المستوى الترابي.

4- توسيع هامش مسؤولية الآمرين بالصرف

تسعى المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية، إلى تكريس مسؤولية الآمرين بالصرف الرئيسيين، والآمرين بالصرف الثانويين([53])، على أساس أن يتحمل هؤلاء مسؤولية مباشرة عن النتائج المحققة، كل حسب تخصصه، ونطاق عمله.

وهكذا، فقد أسست هذه المقاربة لعلاقة جديدة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة، بمقتضاها تتحول هذه الأخيرة إلى أجهزة مسؤولة وفعالة لاتخاذ القرارات ولانجاز البرامج على المستوى الترابي([54]).

وفي نفس الاتجاه، حرصت وزارة الاقتصاد والمالية على إرساء دعائم التدبير المبني على النتائج، من خلال ربط فتح الاعتمادات بتحقيق أهداف محددة، وتحميل المدبرين المسؤولية عن النتائج المحققة، وذلك في إطار عقود مبرمة مع مختلف المصالح المحلية، تلتزم من خلالها المديريات الجهوية بضمان التنفيذ الفعلي لتلك الأهداف على مستوى الجهة التي تشرف عليها.

وعلى سبيل المثال، فان العقود المبرمة بين المديريات الجهوية التابعة للخزينة العامة للمملكة والخزينات الإقليمية التابعة لها، تتكلف الإدارة المركزية بتتبع تنفيذها، كما أن المديريات الجهوية تبقى ملزمة بإعداد تقاريرعن نجاعة تدبيرها كل ثلاثة أشهر وإرسالها إلى الإدارة المركزية، التي تتولى هي كذلك صياغة تقرير نصف سنوي عن حصيلة أنشطة المديريات الجهوية، وتوجيهه إلى الخازن العام للمملكة، حيث تساهم تلك التقارير في تأمين شفافية تدبير المالية العمومية على المستوى المحلي، وتتبع مسار تنفيذ الاعتمادات المفوضة، وأوجه صرفها، في اتجاه ترشيد أكثر للنفقات العمومية، وتكريس مسؤولية المدبرين الترابيين.

5- تتبع الاعتمادات وتطوير إمكانيات تحليل النفقات العمومية

إن إدماج البعد الجهوي ضمن تصنيفات الميزانية العامة للدولة، لن يؤدي فقط إلى تحديد المجهود المالي المبذول من طرف مختلف القطاعات الوزارية على صعيد كل جهة، وإنما سيمكن أيضا من تسهيل عملية تتبع تنفيذ نفقات الدولة، لكون المقاربة الجهوية لتدبير الميزانية تمكن من تحديد دقيق لمواقع إنجاز البرامج والمشاريع، وبالتالي تحديد أدق لأوجه صرف النفقات العمومية، وبذلك فمن شأن صدور منشور لوزير المالية القاضي بملاءمة تبويب الميزانية مع البعد الجهوي، تدعيم سياسة التدبير اللامتمركز للميزانية، وتطوير إمكانيات تحليل النفقات العمومية، حيث سيتيح للإدارات المركزية إمكانية تتبع تنفيذ نفقاتها على مستوى كل جهة من جهات المملكة.

فمن مستجدات المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية، تخفيف الرقابة القبلية وتعزيز رقابة التدبير، وتوسيع هامش مسؤولية المدبرين الترابيين، وفي هذا السياق فان وزارة الاقتصاد والمالية تبنت نظاما للرفع من نجاعة تدبير المصالح الخارجية التابعة لها، ألزم من خلاله المديريات المركزية بتتبع أنشطة المصالح الترابية، وبالأخص تتبع نجاعة أداء المديريات الجهوية.

وكمثال على ذلك، تقوم الخزينة العامة للمملكة بتتبع أنشطة المديريات الجهوية التابعة لها، حيث تقوم هذه الأخيرة بإعداد بيان عن حصيلة أنشطتها كل ثلاثة أشهر، وتوجهه إلى الإدارة المركزية التي تباشر من خلاله عملية افتحاص العمليات المالية التي تقوم بها هذه المديريات الجهوية، وذلك قصد تقييم النتائج المحققة، ورصد مدى تطابقها مع الأهداف المرقمة.

يتضح من خلال كل ما سبق، أن المقاربة الجهوية لتدبير الميزانية العامة للدولة تعتبر إحدى الآليات التي أرستها الحكومة المغربية من أجل تحقيق رهان الجهوية الموسعة، غير أن التطبيق السليم لهذه المقاربة يقتضي الإسراع في اعتماد إصلاح قانوني ينبثق من قلب المؤسسة البرلمانية، سواء تعلق الأمر بإصدار قانون تنظيمي جديد للمالية، أو بتحديث الإطار القانوني للجهة.

ومن جهة أخرى، فإن بت عنصر الفعالية والوضوح في مجال التدبير المالي الحديث، يقتضي تدعيم الترسانة القانونية المنظمة للجهة، بنصوص تطبيقية تفسيرية، تتدخل لإزالة كل لبس أو غموض، أو للإتيان بتوضيحات تهم النصوص ذات الصيغ العامة.

كما يتعين كذلك، من أجل ضمان استقلالية المصالح الخارجية تخصيص ميزانية مستقلة لكل مصلحة على حدة، خاصة بالنسبة للمصالح الترابية ذات الاختصاص الجهوي، وذلك من أجل تحكم أفضل وتتبع أنجع لمسار صرف النفقات العمومية، مع ضرورة انتظام المصالح الخارجية في إطار أقطاب تقنية جهوية، بهدف تحيقق التكامل والانسجام فيما بينها، والرفع من فعاليتها ومردوديتها.

 

[1]– المادة 10، مرسوم رقم 1369-05-2، الصادر في 29 شوال 1426 (2 دجنبر 2005) ، بشأن تحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية واللاتمركز الإداري، مرجع سابق.

[2]– عبد الكريم بخنوش: “عدم التركيز الإداري بين العمالة أو الإقليم والجهة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 52، طبعة 2006، ص: 37.

[3]– سعد الدين الشفيق: “الحكامة المحلية ورهانات التنمية بالمغرب”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السويسي الرباط، 2007-2008، ص: 31.

[4]– بنخيي حسن: “الدولة والجماعات المحلية بالمغرب – توزيع الاختصاصات وتحويل الموارد–، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية: 1991-1992، ص: 129.

[5] – الفصل 143 من ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور.

 

[6]– علي أمجد: “الموارد المالية والبشرية: مقومات أساسية للامركزية الجهوية ووسيلة لتطويرها”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 74، مطبعة دار النشر المغربية، ماي- يونيو 2007، ص: 116.

[7]– Abdallah Harsi: « La gouvernance locale au maroc entre la déconcentration et la centralisation », Gouvernance locale au maghreb: Actes colloque international organisé par la faculté des sciences juridiques, économiques et sociales de salé et la REMALD, les 9 et 10 janvier 2004, à Marrakech, publications de la “REMALD”, Série “Thèmes actuels”, première édition, 2004, N° 46, Imprimerie AL Maarif EL Jadida, Rabat, P: 80.

[8]– عبد الكريم بخنوش: “عدم التركيز الإداري بين العمالة أو الإقليم والجهة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مرجع سابق، ص: 41.

[9]– عبد الكريم بخنوش: “عدم التركيز الإداري بين العمالة أو الإقليم والجهة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مرجع سابق، ص: 42.

[10]– الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى الوزير الأول في موضوع التدبير اللامتمركز للاستثمار، الدار البيضاء 09/01/2002، الإصلاح الإداري بالمغرب على ضوء التجارب الأجنبية، مرجع سابق، ص: 20.

[11]– الشريف الغيوبي: “الجهة المجال الأنسب للاتركيز وتشجيع الاستثمار”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، عدد 52، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2006، ص: 49.

[12]– قانون رقم 96-47 المتعلق بتنظيم الجهات، مرجع سابق.

[13]– Abdellatif serghini et saidmeskour: « La Réforme Budgétaire au Maroc », Diplôme de Cycle de Formation en Gestion Administrative, Ecole Nationale d’Administration, 2007-2008, p:11.

[14]– محمد حنين: “المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية”، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2007، ص: 109.

[15]– خطاب وزير الاقتصاد والمالية أمام مجلس المستشارين بمناسبة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2008، بتاريخ 4 دجنبر 2007.

[16]– دليل تحليل ميزانية الدولة: دعم أعمال البرلمان المغربي. (Usaid)، وزارة الاقتصاد والمالية، ص: 30.

[17]– دليل تحليل ميزانية الدولة، مرجع سابق، ص: 31.

[18]– منشور السيد وزير المالية الصادر، بتاريخ 17 يناير 2005، حول ملاءمة التصنيف الإداري لميزانية الدولة مع البعد الجهوي، (انظر الملحق رقم 2).

[19]– دليل تحليل ميزانية الدولة، مرجع سابق، ص: 30.

[20]– الإدارة المغربية وتحديات 2010: تشخيص الوضع الحالي للإدارة، الإصلاح الإداري بالمغرب على ضوء التجارب الأجنبية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “نصوص ووثائق”، عدد 195، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008، ص: 98.

[21]– ميزانية الدولة، منشورات وزارة الاقتصاد والمالية، مرجع سابق، ص: 214.

[22]– منشور الوزير الأول رقم 2001/12 الصادر بتاريخ 25 دجنبر 2001 حول ملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز.

[23]– ميزانية الدولة: منشورات وزارة الاقتصاد والمالية، مرجع سابق، ص: 213.

[24]– مرسوم رقم 2.98.401 الصادر في 9 محرم 1420 (26 أكتوبر 1999) المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية.

[25]– Guide de la réforme budgétaire: La nouvelle approche budgétaire axe sur les resultants et integrant la dimension genre, publications de la ministère de l’économie et des finances, 2005,p: 38.

[26]– محمد حنين:” المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية”، مرجع سابق، ص: 98.

[27] مذكرة تقديم: مشروع قانون المالية لسنة 2010، منشورات وزارة الاقتصاد والمالية، ص: 65.

[28]– تقوم المقاربة الجديدة على ثلاثة أعمدة رئيسية: أولا: تليين ظروف تنفيذ الميزانية من خلال إقرار ما يسمى بشمولية الاعتمادات، ثانيا: توسيع مجال اللاتمركز داخل الإدارية العمومة من خلال اعتماد علاقات تعاقدية بين الإدارات المركزية للوزارات والمصالح الخارجية التابعة لها، ثالثا: تشجيع علاقات شراكة بين المصالح الخارجية للوزارات والفاعلين المحليين.

[29]– دليل تحليل ميزانية الدولة، مرجع سابق، ص: 29.

[30]– كلمة وزير الاقتصاد والمالية أمام مجلس المستشارين بمناسبة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2008، بتاريخ 4 دجنبر 2007.

[31]– محمد حنين: “المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية”، مرجع سابق، ص: 99.

[32]– التنمية الجهوية وبرامج الجماعات المحلية: وثيقة مصاحبة لمخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2000-2004، مديرية البرمجة، وزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط، 2001، ص: 71.

[33]– Ali BOUABID – Larabi JAIDI: « Déconcentration et gouvernance des territoires », Modernisation de l’action publique, Recherche Action, PNUD & FRIEDRICH EBERT STIFTUNG, Fondation AbderrahimBouabid, Salé, Novembre 2007, p: 20.

[34]– Michel catlla: «De la genèse d’une régulation territorialisée à l’émergence d’une gouvernance territoriale », la gouvernance territoriale: pratiques, discours et théories, droits et société, maison des sciences de l’homme, série politique, n° 44, L.C.D.J, 2007, p: 89.

[35]– محمد اليعكوبي: “المبادئ الكبرى للحكامة المحلية”: المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “نصوص ووثائق”، مطبعة دار النشر المغربية، عدد 56، ماي- يونيو 2004، ص: 14.

[36]– André Barilari, Michel Bouvier: « La nouvelle gouvernance financière de l’Etat », L.G.D.J, 2004 Librairie générale de droit et de jurisprudence. EJA, p: 84.

[37]– Antonio Vazquez-Barquero: « Développement endogène: points analytique et politique », Apport de l’approche territoriale à l’économie du développement, la librairie des humanités, Paris et Economie critique, Rabat, 2007, p: 83.

[38]– Daniel CANEPA: « La mise en œuvre de la LOLF point de vue sur la nouvelle gestion de l’Etat: les nouveaux instruments financiers et de gestion des collectivités territoriales: Revue Française de Finances Publiques, L.G.D.J, n ° 95, septembre 2006, p:224.

[39]– André Barilari, Michel Bouvier: «La nouvelle gouvernance financière de l’Etat », op.cit, p: 85.

[40]– Circulaire du première ministre n°9/2004 du 09 juin 2004, à propos des schémas directeurs de déconcentration administrative

[41]– مرسوم رقم 2.05.1369، الصادر بتاريخ 2 دجنبر 2005، بشأن تحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية واللاتمركز الإداري، مرجع سابق.

[43]– المرسوم الملكي رقم 330.66، بسن نظام عام للمحاسبة العمومية، الصادر بتاريخ 10 محرم 1386 (21 أبريل 1967)، كما تم تعديله بمقتضى المرسوم، بتاريخ 4 شعبان 1421 (فاتح نونبر 2000).

[44]– ميزانية الدولة، منشورات وزار الاقتصاد والمالية، الطبعة الأولى، 2004، ص: 158.

[45]– الآمرون بالصرف المفوضين هم المستفيدين من تفويض الإمضاء من لدن الآمرين بالصرف الرئيسيين، وذلك وفق الشروط المحددة في الظهير الشريف، رقم 1.56.068، الصادر في 9 رمضان 1376 (10 أبريل 1957)، بالتفويض في إمضاء الوزراء وكتاب الدولة ووكلاء الوزارات.

[46]– يعتبر العمال ورؤساء المصالح الخارجية للوزارات آمرين بالصرف ثانويين فيما يتعلق بالاعتمادات المفوضة لهم من طرف الوزارات المعنية.

[47]– منشور رقم 2000/8، الصادر عن الوزير الأول، بتاريخ 27 ربيع الأول 1421 الموافق لـ30/06/2000، الخاص بعدم تركيز الاعتمادات وضبط وتيرة إصدار النفقات العمومية.

[48]– ميزانية الدولة، منشورات وزارة الاقتصاد والمالية، طبعة 2003، ص: 167.

[49]– Fatima Chahid: «Territorialisation des politiques publiques», REMALD, collection Manuels et travaux universitaires, n°63, 2005,p: 135.

[50]– الإصلاح الإداري بالمغرب: أعمال المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري، مرجع سابق، ص: 72.

[51]– منشور الوزير الأول رقم 2001/12، الصادر بتاريخ 25 دجنبر 2001، حول ملاءمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز.

[52]– Fatima Cahid : « Territorialisation des politiques publiques » op, cit, p: 146.

[53]– André Barilari: « Animer une organisation déconcentrée », comment concilier autonomie et cohérence?, Edition d’Organisation, 2002, p: 84.

[54]– محمد حنين: “المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية”: مرجع سابق، ص: 103.

Exit mobile version