Site icon مجلة المنارة

اختصاص رجال السلطة في تدبير أراضي الجماعات السلالية

اختصاص رجال السلطة في تدبير أراضي الجماعات السلالية

سعيد الستاتي

طالب باحث في سلك الدكتوراة

كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية سلا

جامعة محمد الخامس الرباط

مقدمة

الأراضي الجماعية[1] أنواع، هناك أراضي النايبة[2]، و أراضي الجيش[3]، و أراضي الجماعات السلالية، هذه الأخيرة التي شهدت في الآونة الأخيرة نقاشا و حوارا وطنيا حول مستقبل هذه الأراضي ضمن نسيج الأنظمة العقارية بالمغرب لحقتها عدة تطورات و تحولات هيكلية عميقة جعلت سلطات الوصاية أمام تحدي كبير لإصلاح النظام القانوني والمؤسساتي لهذا النظام العقاري العتيق. و مسايرة لحجم السياق العام من الإصلاحات التي يعرفها المغرب، لاسيما الإصلاحات الدستورية ل2011، أضحى إصلاح نظام أراضي الجماعات السلالية يحتل مكانة مهمة، و يستقطب عدة تيارات حقوقية و قانونية و اجتماعية واقتصادية … لدى الباحثين و السياسيين و الحقوقيين و غيرهم لإدخال إصلاحات هيكلية عليها و إدماجها في الاختيارات الاستراتيجية و السياسات العمومية للبلاد.

لكن، و قبل المحاولة في سبر الجوانب القانونية و العملية للإشكالات المتعلقة بتدبير أراضي الجماعات السلالية على المستوى الترابي. ما المقصود بأراضي الجماعات السلالية؟

تكاد جميع الدراسات و البحوث[4] تجمع على كونها أراضي ملكت تملكا جماعيا من عهد موغل في القدم من قبل جماعات سلالية قد تتخذ شكل قبائل أو فصائل القبائل وغيرها من العشائر التي تنتفع بها وفق أعراف و تقاليد بائدة. و بذلك  فهي أراضي ترجع ملكية رقبتها للدولة بينما يؤول حق الانتفاع بها للقبيلة و ليس للفرد، يتم استغلالها و استعمالها عن طريق تنظيم “اجماعة” كأداة تنظيمية مؤطرة للقبيلة أو العشيرة لفائدة العائلات المكونة لها، وفقا لقانون مكون من تقاليد و أعراف خاصة بها تختلف من جهة لأخرى.

تاريخيا، لازم تدبير و تسيير أراضي الجماعات السلالية سلطة المخزن في شخص القواد والباشوات على المستوى الترابي طوال الفترة التي سبقت خضوع المغرب للحماية بشكل روحي، إذ كانت الجماعة السلالية كمؤسسة قائمة و مستقلة تدبر هذه الأراضي، غير أنه يمكن القول أنه تدبير اتسم بنوع من البدائية و العفوية و التقليدية في ظل عدم وجود أي تأطير قانوني و تنظيمي لهذا النوع من الملكية، و فيض من الأعراف و التقاليد المحلية والجهوية التي تعنى بتنظيم استعمال و استغلال هذه الأراضي و تؤطر الحياة العامة للجماعة. و قد أكدت هذه الحقائق دورية الصدر الأعظم الموجهة إلى العمال و القواد و القضاة و التي جاء فيها ‘‘إن الأراضي التي تشغلها بكيفية جماعية القبائل تبقى على الحال التي كانت عليه، و تستمر في الخضوع للأعراف القديمة دون أن تفوت و تقسم‘‘[5].

و مع خضوع المغرب للحماية شكلت هذه الفترة نقلة نوعية في تطور الملكية الجماعية، من خلال وضع تنظيم قانوني و مؤسساتي لها ساهم في استنزاف خيراتها و السيطرة عليها، غير أن الملاحظ أنه منذ فترة الحماية، جميع القرارات و الإجراءات و القوانين التي تم اتخاذها لازالت تلعب دورا مهما إلى يومنا هذا في تدبير الملكية الجماعية[6]، بالرغم من مبادرة المشرع بعد الاستقلال إلى إدخال عدة تعديلات على تنظيمها القانوني، لكن جل هذه التعديلات لم تمس جوهر و فلسفة التنظيم القانوني الذي أقرته سلطات الحماية[7]. لكن شهدت هذه الفترة تحولا نوعيا من حيث تخويل المسؤوليات للمستوى الترابي في تسيير الممتلكات و الحياة العامة للجماعات السلالية لما يتسم به من خاصيات القرب و النجاعة وفعالية التدخل، من خلال سهر و حرص رجال السلطة على ضبط العنصر المادي و البشري وتصفية و حماية الممتلكات العقارية للجماعات السلالية و تثمينها و مواكبتها في إنجاز وبرمجة المشاريع التنموية.

إن تدبير هذا الرصيد العقاري المهم قد يبدو لأول وهلة لا يطرح أية اشكالات تذكر، خاصة لدى رجال السلطة باعتبارهم ممثلي سلطة الوصاية على المستوى الترابي كلما تعلق الأمر باتخاذ تدابير تهم الحياة العامة للجماعات السلالية في جانبها التنظيمي أو التسييري كاختيار نواب الجماعات، و تدبير النزاعات الناتجة عن الانتفاع بالأرض، و عمليات التثمين.

وعكس ما يبدو، فتدبير أراضي الجماعات السلالية يعاني من إكراهات و إشكالات جد معقدة تتمثل في النزاعات و الصراعات المتعلقة باستغلالها و المحافظة عليها و تثمينها، الأمر الذي يقتضي رسم معالم اختصاص رجال السلطة؟ ففي غالب الأحيان، تلعب التقاليد و الأعراف دورا حاسما و فاصلا في فض هذه النزاعات في ظل جمود القانون و عجز رجال السلطة عن إيجاد الصيغ التوافقية لحلها، إذ تبرز الصعوبات والتعقيدات التي يواجهها رجال السلطة في التوفيق بين ضرورة تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية المعقدة و المتهالكة لهذه الأراضي و الحفاظ عليها، و عدم زعزعت التوازنات القائمة في المجتمع القروي و إقرار السلم الاجتماعي.

و مهما يكن من أمر، فإن اختصاص رجال السلطة في تدبير أراضي الجماعات السلالية إلى جانب متدخلين آخرين على الصعيد المحلي كنواب الجماعات السلالية لابد و أن تظهر مظاهره على مستوى الإشراف و المراقبة و العمل على المحافظة على الممتلكات الجماعية (الفرع الأول)، لذلك سيكون نطاق حدوده محصورا في حدود ما رسمته له النصوص القانونية و التنظيمية (الفرع الثاني).

الفرع الأول: مظاهر اختصاص رجال السلطة في تدبير أراضي الجماعات السلالية

يمارس رجال السلطة مهام وصاية القرب على الجماعات السلالية باسم سلطة الوصاية من خلال منظور يتوخى النهوض بمستوى التنمية البشرية لذوي الحقوق أعضاء الجماعات السلالية. لكن تعرف هذه المهام نوعا من التداخل و التنازع بالنظر إلى كم ونوع الاختصاصات الموكولة لرجال السلطة على المستوى الترابي، الشيء الذي جعل من سلطات الوصاية على المستوى المركزي تبادر إلى إصدار ميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية قصد تدعيم المهام و الاختصاصات المخولة للسادة العمال في ممارسة وصاية القرب (الفقرة الأولى)، والسادة القواد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مظاهر ممارسة وصاية القرب على الجماعات السلالية بالنسبة للعمال

تنحصر اختصاصات ممارسة وصاية القرب للعمال في مجالات تسيير و استغلال وتثمين أراضي الجماعات السلالية (أولا)، ثم أعمال التصفية و المحافظة على هذه الأراضي (ثانيا).

أولا: أعمال تسيير و تثمين أراضي الجماعات السلالية

تهم اختصاصات تسيير و تثمين أراضي الجماعات السلالية المخولة للسادة العمال باعتبارهم ممثلي سلطة الوصاية على الصعيد المحلي عدة مجالات مهمة، تتمثل في ضبط العنصر البشري للجماعات السلالية و ضبط العناصر المادية للأراضي الجماعية، و تثمينها وإنجاز المشاريع لفائدة الجماعات السلالية. و يتركز تدبير و ضبط العنصر البشري بالتوفر على قاعدة المعطيات و إحصاءات شاملة و محينة للجماعات السلالية و لذوي الحقوق و نواب الجماعات السلالية الموجودة بالنفوذ الترابي لكل عامل، بحيث على هذا الأخير إعداد و ضبط لائحة الجماعات السلالية و ممتلكاتها، بالإضافة لضبط و إعداد لائحة نواب الجماعات السلالية، بمسك ملفات للنواب و ضبط المعلومات الشخصية الخاصة بكل نائب و بأسماء الجماعات السلالية التي يمثلونها كل حسب دائرته الترابية. و القيام بصفة آنية منتظمة بتعيين و إقالة و تتبع و مراقبة عمل نواب الجماعات السلالية وفق دليل نائب الأراضي الجماعية[8]، و إيفاء مصالح سلطة الوصاية بالإجراءات المتخذة في هذا الشأن، من قبيل موافاتها بنتائج التحريات و البحوث المجراة بخصوص الملتمسات و الشكايات التي يكون محطها نائب الجماعة السلالية من طرف ذوي الحقوق أو من جهات أخرى جراء ما يعتبرونه تجاوزات و خروقات صادرة عن نائب أو بخصوص اختياره[9].

و أيضا الإجراءات المتخذة في شأن تفعيل مقتضيات دليل النائب[10] قصد استكمال المعلومات المتوصل بها التي تهم ملفات اختيار النواب، و ذلك بالإسراع بمباشرة مسطرة اختيار النواب خلفا لحالات الوفاة، أو العزل أو الاستقالة، و موافاة مصالح الوصاية بالقرارات العاملية الخاصة بتعيين النواب في هذا الشأن[11]، و القيام بحملات تحسيسية للنواب و ذوي الحقوق قصد التقيد و الامتثال التام للضوابط المعمول بها قانونيا و تنظيميا في توزيع حق الانتفاع و إعداد لوائح ذوي الحقوق و توزيع المدخرات و غيرها من الاختصاصات المخولة لنواب الجماعات السلالية[12]، و تتبع إعداد لوائح ذوي الحقوق بتنسيق مع نواب الجماعات السلالية و الإشراف على العملية في جل مراحلها طبقا لمضامين الدورية الوزارية رقم 51 بتاريخ 14 ماي 2007 بشأن مسطرة وضع لوائح ذوي الحقوق التابعين للجماعات السلالية.

أما فيما يخص تثمين أراضي الجماعات السلالية، تقوم مصالح وصاية القرب، و بموافقة نواب الجماعات السلالية المعنية بتعبئة أراضي الجماعات السلالية و وضعها رهن  إشارة المستثمرين من القطاع العام و الخاص لدعم الاستثمار في إطار تفعيل السياسات و البرامج التنموية المعتمدة من طرف الحكومة في مختلف الميادين، مع ضمان مصالح الجماعات السلالية و أعضائها، و تتم تعبئة هذا الرصيد العقاري إما عن طريق الكراء أو التفويت، طبقا للمساطر القانونية و الإدارية المعمول بها في هذا الصدد. فبالنسبة لكراء هذه الأراضي، يعمل السادة العمال بتنسيق مع نواب الجماعات السلالية و سلطة الوصاية على تعبئة رصيدها العقاري عن طريق الكراء أو الشراكة، و ذلك وفق دليل كراء الأراضي الجماعية الذي يحدد الشروط والمساطر الإدارية و التقنية لعملية الكراء.

لذا تقوم مصالح وصاية القرب بتتبع مراحل عمليات الكراء، و تدليل المشاكل و حل النزاعات في هذا الشأن، من خلال ترأس السادة العمال للجان الإقليمية المكلفة بدراسة ملفات الكراء و إبداء رأيها حول عملية الكراء، مع إيفاء مصالح سلطة الوصاية بجميع الإجراء و المشاكل والصعوبات المتعلقة بملفات الأكرية حتى يتسنى لها اتخاذ القرارات الملائمة في ذلك[13]. أيضا يسهر السادة العمال على التتبع و المراقبة التقنية للاستغلالات موضوع الكراء، من خلال تتبع الإنجازات المرتقب تحقيقها و صيانتها من طرف المستثمرين، في إطار لجنة إقليمية يترأسها تختص بذلك[14]، مع إيفاء مصالح الوصاية بنتائج اللجنة بشكل دوري.

أما بالنسبة لتفويت أراضي الجماعات السلالية، فهي تتم طبقا للمقتضيات القانونية والإدارية المعمول بها لفائدة الدولة و الجماعات الترابية و المؤسسات العمومية. و تبدأ عملية التفويت بدراسة جدوى المشاريع المقترحة و تطابقها مع السياسات و البرامج الحكومية، و تمر عبر موافقة النواب و رأي السلطات المحلية و الإقليمية المعنية، دون إغفال مرحلة تحديد الثمن من طرف اللجن الإقليمية المختصة[15]، إلى غاية المصادقة على عملية التفويت من طرف مجلس الوصاية، و إبرام عقد البيع بين وزير الداخلية الوصي على الجماعات السلالية و المقتني. ولأجل ذلك، يعمل السادة العمال على تتبع جميع المراحل الخاصة بعمليات التفويت، و الإشراف على اللجن الإدارية للتقييم، و بتهيىء التقارير حول التتبع و المراقبة و إيفاء مصالح الوصاية بها[16].

أما بالنسبة لإنجاز المشاريع لفائدة الجماعات السلالية، فيجب إعطاء الأولوية لتوظيف أرصدة الجماعات السلالية في خلق مشاريع لفائدتهم، بدل توزيعها على ذوي الحقوق. لذا يسهر السادة العمال على تشجيع إنجاز هذه المشاريع، من خلال الإشراف على إعداد و تتبع إنجاز مختلف المشاريع التي تتوخى تحسين ظروف عيش أعضاء الجماعات السلالية و تنمية موارد دخلهم. و بإعداد تقارير حول تتبع و مراقبة إنجاز هذه المشاريع، و موافاة سلطة الوصاية بنتائجها[17].

ثانيا: أعمال التصفية و المحافظة على أراضي الجماعات السلالية

بالإضافة لاختصاصات السادة العمال في تسيير و تثمين أراضي الجماعات السلالية، يختصون بتدبير أعمال التصفية و المحافظة على هذه الأراضي، و ذلك من خلال السهر على عمليات التحديد الإداري و تحفيظ الأراضي، و تسليم الشواهد التي تنفي الصبغة الجماعية على العقارات حفاظا على أراضي الجماعات السلالية، و تدبير النزاعات و المنازعات القضائية للجماعات السلالية.

لقد جعلت مصالح وصاية القرب من التصفية القانونية لعقارات الجماعات السلالية إحدى أولويتها و اهتماماتها، و ذلك نظرا لما لها من دور رئيسي في الدفع بكل عمليات تثمين الأراضي الجماعية، و كذا الحفاظ عليها من الترامي و الاستغلال غير القانوني، و تهييىء جزء من هذا الرصيد لإيواء مشاريع استثمارية. و في هذا الإطار يعمل السادة العمال على تتبع عمليات التحديد الإداري و التحفيظ العقاري حسب كل مرحلة من مراحله، و عقد اجتماعات على المستوى الإقليمي من أجل التحسيس بأهمية عمليات التحديد الإداري و التحفيظ العقاري، بغية إنجاح العمليات التقنية لمساطر التصفية القانونية لعقارات الجماعات السلالية، و إيجاد حلول توافقية لحل النزاعات القائمة بين الجماعات السلالية، أو بينها و بين الغير. و أيضا التعاقد مع عدد من المحامين في إطار اتفاقية الدعم القضائي للدفاع عن مصالح الجماعات السلالية في النزاعات العقارية الرائجة أمام المحاكم المختصة[18]، كما التعاقد مع عدد من المهندسين الطوبوغرافيين للقيام بالأشغال الطوبوغرافية اللازمة للرفع من وثيرة الإنجازات.

هذا، و يسهر السادة العمال على تتبع و معالجة التعرضات المودعة من طرف الأغيار على مطالب التحفيظ[19] و التحديدات الإدارية[20] لأراضي الجماعات السلالية، و إعداد جداول وضبط الحالة المادية للعقارات الجماعية في هذا الشأن، و موافاة سلطة الوصاية بتقارير في ذلك.

و في إطار حماية حقوق الجماعات السلالية، و صيانة أراضيها من ترامي بعض الأشخاص و تفويتها بواسطة الشهادات اللفيفية، يقوم السادة العمال بتسليم الشواهد الإدارية التي تنفي الصبغة الجماعية على العقارات[21]، منعا لتفويت أراضي الجماعات السلالية و إلزام طالبي شهادات التمليك بأن يقدموا للسادة القضاة و العدول أو الموثقين الشهادة المذكورة أعلاه تثبت أن الأرض المطلوب الإشهاد بتملكها ليست أرضا سلالية[22].

أما فيما يخص تدبير ملفات النزاعات و المنازعات القضائية للجماعات السلالية، تعتبر إشكالية فض النزاعات بين ذوي الحقوق أو بين الجماعات السلالية فيما بينها أو بين الأغيار إحدى الورشات التي تحظى باهتمام و انشغال السادة العمال، بهدف معالجة أنجع لهذه الملفات وإيجاد حلول واقعية و توفير مزيد من الضمانات و الحقوق لأطراف النزاع. و لأجل ذلك يقوم السادة العمال بالسهر على تتبع ملفات النزاعات و المنازعات القضائية و اتخاذ التدابير اللازمة من أجل تحسين وثيرة البت فيها، بحيث أصبح اليوم السادة العمال مدعوون للانخراط أكثر في إيجاد الحلول الودية للنزعات، طبقا لمضامين الدوريتين الوزاريتين رقم 23 بتاريخ 3 مارس 2007 و 35 بتاريخ 14 يوليوز 2010، التي تنص على ضرورة القيام بجرد شامل لكل حالات النزاعات خاصة العقارية بين الجماعات السلالية داخل الإقليم أو تلك التي تتداخل فيها جماعات سلالية تابعة للأقاليم المجاورة[23]. و ينبغي التركيز في هذا الصدد على الدور التنسيقي الذي يتعين على السادة ولاة الجهات لعبه في مجال تدبير النزاعات القائمة بين الجماعات السلالية المتواجدة بعدة أقاليم.

كما يختص السادة العمال في هذا الشأن، بالإشراف المباشر على دراسة ملفات النزاعات والبت في جميع الوثائق المكونة لها، و عقد اجتماعات تحسيسية لتقريب وجهات نظر الأطراف المتنازعة مع ضرورة التوصل إلى حلول توافقية فيما بينها، و ذلك في إطار مسطرة الصلح التي تعد من بين أهم الاختصاصات التي يطلع بها السادة العمال، مع اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة و اللازمة لفض هذه النزاعات، و إيفاء مصالح الوصاية بتقارير شاملة و الإجراءات المتخذة في هذا الخصوص[24].

بالإضافة إلى ذلك يسهر السادة العمال على تتبع جميع ملفات المنازعات القضائية للجماعات السلالية الرائجة أمام القضاء، و اتخاذ كل إجراء من شأنه الدفاع عن حقوق الجماعات السلالية و صيانة ممتلكاتها أمام  القضاء و تعيين الأساتذة المحامين للدفاع عن مصالح هذه الجماعات، مع موافاة مصالح الوصاية بمآل الملفات الرائجة أمام القضاء، و ما اتخذ في شأنها من إجراءات تضمن المحافظة على مصالح الجماعات السلالية.

الفقرة الثانية: مظاهرممارسة وصاية القرب على الجماعات السلالية بالنسبة للقواد

خولت النصوص القانونية الجاري به العمل في تدبير شؤون الجماعات السلالية وممتلكاتها للقواد اختصاصات ممارسة وصاية القرب، بصفتها ممثلة وزير الداخلية الوصي على الجماعات السلالية في ربوع المملكة التي تنتشر فيها أراضي الجماعات السلالية، و ذلك من خلال التأطير و الإشراف على تدبير شؤون هذه الجماعات (أولا)، و تنفيذ مقررات جماعة النواب و سلطة الوصاية (ثانيا).

أولا: الإشراف على تدبير شؤون الجماعات السلالية

أصبح دور السلطة المحلية المتمثلة في السادة القواد يشكل أهمية مهمة في تدبير شؤون الجماعات السلالية و صيانة رصيدها العقاري و تثمينه و جعله قاطرة للتنمية، بتنسيق مع المصالح الإقليمية للسادة العمال و المصالح المركزية للوصاية، بالإضافة للدور الفعال في تدبير ملفات النزاعات القائمة بين ذوي الحقوق، و إبرام مساطر الصلح في القضايا المتعلقة بأملاك الجماعات السلالية[25].

و في هذا الإطار، تقوم السلطة المحلية بمباشرة و تتبع عدة أوراش أطلقتها سلطة الوصاية، تصب كلها في تحقيق الانتقال من وصاية إدارية محضة إلى وصاية تجعل من تنمية العنصر البشري مقصدها و غايتها. لذا تعتبر السلطة المحلية جوهر كل تدبير يهم الجماعات السلالية و أملاكها، نظرا لمعرفتها بما يقع و يجري على مستوى الواقع، و لقربها من مؤسسة جماعة النواب، مما يجعل من اختصاصات رجل السلطة المحلية ذات حساسية شديدة.

إن اختصاصات السلطة المحلية في تدبير شؤون الجماعات السلالية و ممتلكاتها نابع من النصوص القانونية و التنظيمية المؤطرة لأراضي الجماعات السلالية، بحيث يتجلى هذا الاختصاص في الإشراف على ضبط العنصر البشري لهذه الجماعات و تأطيره، و ذلك من خلال الإشراف على عمليات اختيار النواب باتخاذ جميع الترتيبات الضرورية لعمليات التصويت في حالة نهج أسلوب الانتخابات في الاختيار، أو منح التزكية للنواب الذين يتم اختيارهم وفق أسلوب التعيين، و إعداد المحاضر في هذا الشأن. كما تقدم الطعون ضد نتائج الانتخابات لدى السلطة المحلية التي تبت فيها داخل أجل شهر ابتداء من تاريخ التوصل بها، وإصدار قرارات في شأنها بالإضافة إلى إعداد ملفات النواب الذين تم اختيارهم، و إحالتها للمصالح الإقليمية التابعة للسادة العمال[26]، و مباشر مسطرة العزل في حق النواب الذين تتوفر فيهم أسباب العزل المضمنة بدليل نائب الأراضي الجماعية، و تأطير نواب الجماعات السلالية الذين تم اختيارهم بالتوجيه والإرشاد[27].

و يسهر رجال السلطة المحلية على حماية أراضي الجماعات السلالية من كل بناء عشوائي أو ترام و تمليك غير مشروع[28]، و صيانتها و تثمينها و تشجيع الاستثمار فيها عبر الإشراف و تأطير عمليات التصفية القانونية لعقارات الجماعات السلالية، باقتراح تحديد الأراضي المفترض أنها جماعية على سلطة الوصاية و السادة العمال[29]، و ترأس عمليات التحديد الإداري والتحفيظ العقاري سواء في المرحلة الإدارية أو القضائية، و حل المشاكل المتعلقة بالنزاعات والتعرضات أثناء عمليات التصفية القانونية للعقارات الجماعية بكل موضوعية وحزم[30]، و إيفاء مصالح الوصاية الإقليمية و المركزية بتقرير مفصل في هذا الخصوص[31].

هذا، و يشرف السادة القواد على عمليات كراء الأراضي الجماعية، و تمثيل سلطة الوصاية في السمسرات العمومية الخاصة بالأكرية وفق الشروط و الإجراءات المنصوص عليها في دليل كراء الأراضي الجماعية[32]، بترأس لجنة السمسرة و تحرير المحاضر التي يجب أن تتضمن كل المعلومات المتعلقة بمراحل العملية، و إيفاء مصالح الوصاية عن طريق المصالح الإقليمية داخل أجل لا يتعدى 15 يوما من تاريخ إجراء عملية السمسرة، ثم إشرافه على عمليات التحصيل، و التتبع و المراقبة للاستغلالات موضوع الأكرية[33].

كما يسهر على تأطير عمليات توزيع الانتفاع و التقسيمات الموسمية، و توزيع المدخرات، و إعداد لوائح ذوي الحقوق[34]. فضلا عن تدبير ملفات النزاعات بين ذوي الحقوق و بين هذه الأخيرة و الأغيار، من خلال إسهامه في إيجاد حلول واقعية توفر المزيد من الضمانات لأطراف النزاع، و إجراء مسطرة الصلح في ذلك.

كما تودع طلبات الطعن بالاستئناف أمام مجلس الوصاية في قرارات الهيآت النيابية، لدى السلطة المحلية مقابل وصل إيداع، بحيث يتعين على السلطة المحلية توجيه ملف الاستئناف كاملا لمصالح الوصاية مرفوقا بتقرير للسلطة المحلية، يتضمن بحثا دقيقا و شاملا عن النزاع مع الإدلاء برأيها حول ما ورد في دفوعات الأطراف المتنازعة، و إبداء رأيها حول القرار المتخذ من طرف نواب الجماعة دون الاكتفاء بالموافقة عليه أو عدمه، مع اقتراح الحلول المناسبة لفض النزاع، كما يقوم بتبليغ قرارات الهيآت النيابية و مجلس الوصاية إلى الأطراف المتنازعة، وإثبات ذلك بواسطة محضر[35]، و تتبع القضايا الرائجة أمام المحاكم، و حث الهيآت النيابية على حضور الجلسات و ا لإدلاء بما يفيد الصبغة الجماعية للعقارات موضوع النزاع، لتعزيز موقفها أمام المحاكم المختصة.

و بالإضافة إلى ذلك تقوم السلطة الملحية بالإشراف على تدبير ملفات طلبات الحصول على الشواهد التي تنفي الصبغة الجماعية على عقار ما، بحيث تودع ملفات الطلبات لدى السلطة المحلية المتواجد بدائرتها الترابية العقار موضوع الشهادة. و يتعين في هذا الصدد على السلطة المحلية بمعية نواب الجماعات السلالية دراسة محتويات الملف موضوع الشهادة، و معاينة العقار وتحرير محضر بذلك، يرفق بتصريح كتابي من لدن نواب الجماعة يوضح موقفهم حول طبيعة العقار، و إحالة الملف بكامله على اللجنة الإقليمية المكلفة بدراسة طلبات الحصول على هذه الشواهد الإدارية داخل أجل لا يتعدى 30 يوما ابتداء من تاريخ التوصل[36].

ثانيا: تنفيذ مقررات الهيآت النيابية و مجلس الوصاية

بالإضافة إلى اختصاص السلطة المحلية أي السادة القواد في تأطير و الإشراف على تدبير شؤون الجماعات السلالية من قبل نوابها كما تم التطرق إليه، تختص كذلك بالإشراف و تقديم المساعدة للهيآت النيابية، فهي تقوم بالتدخل لتنفيذ القرارات المتخذة من طرف مجلس الوصاية والهيآت النيابية، لتوفرها على سلطة الإجبار في التنفيذ بواسطة القوة العمومية، و لكن هذا التنفيذ لا يمكن أن تباشره السلطة المحلية إلا بطلب من الجهة الأصلية المكلفة بالتنفيذ و هي الهيآت النيابية[37].

و في هذا الإطار، يتعين على السلطة المحلية تبليغ قرارات الهيآت النيابية إلى الأطراف المعنية بواسطة شهادة التبليغ و ذلك في أجل لا يتجاوز عشرة أيام، و تسليم نسخة من قرار مجلس الوصاية مصادق عليها إلى الأطراف المتنازعة و إلى الهيآت النيابية داخل أجل لا يتعدى 30 يوما من توصلها به و إثبات ذلك بواسطة محضر التبليغ، حتى يتسنى لهذه الهيآت تنفيذ القرارات التي تتخذها بنفسها، وكذلك تنفيذ القرارات التي يتخذها مجلس الوصاية[38].

إن تدخل السلطة المحلية في تنفيذ قرارات الهيآت النيابية، ومجلس الوصاية يبقى مشروطا بطلب من هذه الأخيرة بالتدخل لتنفيذ مقرراتها أو مقررات مجلس الوصاية في الحالة التي يستعصي عليها القيام بمهمة التنفيذ، أو في الحالة التي تقتضي اللجوء للقوة العمومية للتنفيذ، والتي تتوفر عليها السلطة المحلية، و هو ما يستفاد من الفقرة الثالثة من الفصل الرابع من الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919 بشأن تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات و ضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية و تفويتها بتنصيصه على “و تكلفة جمعية المندوبين على الخصوص بالسهر على تنفيذ المقررات المتخذة من طرف مجلس الوصاية أو من طرف الجمعية نفسها، ويمكنها أن تأمر في هذا الصدد باتخاذ جميع التدابير اللازمة و أن تطلب -عند الاقتضاء-  تدخل السلطة المحلية التي تتوفر على القوة العمومية.

لذا تبقى الهيئات النيابية هي وحدها المؤهلة لتنفيذ قراراتها و قرارات مجلس الوصاية، و تدخل السلطة المحلية في التنفيذ رهين بطلب الهيأت النيابية[39]، و ذلك حسب مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل الرابع من ظهير 27 أبريل 1919 أعلاه.

إلا أنه على مستوى الممارسة نجد في الكثير من الأحيان أن السلطة المحلية هي صاحبة الاختصاص على مستوى تنفيذ قرارات الهيآت النيابية و مجلس الوصاية، مستغلة بذلك عدم إلمام نواب الجماعات بالقوانين و الأنظمة المؤطرة لأراضي الجماعات السلالية، وجهلهم بالمساطر المتبعة في التنفيذ، بالإضافة إلى تكريس النصوص التنظيمية و الدوريات والمناشير منح اختصاص التنفيذ للسلطة المحلية، و ذلك من خلال ترأس السلطة المحلية للاجتماعات و اللجن التي تقوم بتنفيذ القرارات، و تحرير محضر في هذا الشأن يوقع عليه نواب الجماعة و الأطراف المعنية، في حين أن دور السلطة المحلية يكون في حدود الإشراف على الاجتماع و تقريب وجهات النظر و تدليل الصعوبات في مسطرة التنفيذ و إغناء نواب الجماعة برأيها و تنوير الطريق لهم في هذا الخصوص و الحرص على احترام والتزام النواب بالمقتضيات القانونية المؤطرة للأراضي الجماعية. لكن بدل أن توضح النصوص التنظيمية والدوريات والمناشير الاختصاص في التنفيذ و شروطه و ضوابطه عملت على مخالفة روح القانون المؤطر لهذه الأراضي بمنح اختصاص التنفيذ المخول لنواب الجماعات السلالية للسلطة المحلية.

كما أن السلطة المحلية في بعض الأحيان قد تمتنع عن تنفيذ قرارات الهيآت النيابية عندما تطلب منها ذلك صراحة هذه الأخيرة، و أحيانا أخرى قد تحل محلها و تصدر قرارات بسحب مقرراتها بحجج واهية، و هو أمر غير مستساغ و متسم بعيب الاختصاص و مخالفة القانون، إذ يجب على السلطة المحلية أن تسلك الطرق القانونية في ذلك، و هي الطعن في قرارات الهيآت النيابية أمام مجلس الوصاية. و هو ما يستفاد من الفقرة الثانية من الفصل الرابع من الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919، الذي ينص على “و إن مقررات جمعية المندوبين الخاصة بتقسيم الانتفاع لا يمكن الطعن فيها إلا أمام مجلس الوصاية الذي ترجع إليه القسمة من طرف المعنيين بالأمر أنفسهم أو من لدن السلطة المحلية، و ينظر المجلس كذلك في جميع الصعوبات المتعلقة بالتقسيم”.

الفرع الثاني: حدود اختصاص رجال السلطة في تدبير أراضي الجماعات السلالية

تقتضي التحولات التي تشهدها أراضي الجماعات السلالية اليوم، على مستويات مختلفة، ومتطلبات الاستعمالات المتنوعة لهذه الأراضي، ملاءمة تدخلات مختلف الفاعلين في تدبير شؤون الجماعات السلالية خاصة مؤسسة رجل السلطة مع الواقع الذي يعرف عدة اختلالات وتجاوزات، حماية لمصالح الجماعات السلالية و تثمينا لمواردها العقارية، و تسيير وثيرة التنمية البشرية لذوي الحقوق، فضلا عن المساهمة في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد. الأمر الذي يقتضي توضيح طبيعة الاختصاصات المخولة لكل من العمال (الفقرة الأولى)، والقواد (الفقرة الثانية) في تدبير أراضي الجماعات السلالية، ثم تبيان حدود هذه الاختصاصات تفاديا لتنازع الاختصاص و غموضه في بعض الحالات.

الفقرة الأولى:محدودية اختصاصات العمال في تدبير أراضي الجماعات السلالية

إن مسؤولية تدبير أراضي الجماعات السلالية تتقاسمها الجماعات السلالية، مع سلطة الوصاية إلى جانب السلطة المحلية على المستوى المحلي، غير أن هذه الأخيرة تعرف تقليصا نوعيا للاختصاص في تدبير أراضي الجماعات السلالية بالمقارنة مع الاختصاص المخول لسلطة الوصاية (أولا)، الأمر الذي يجب تجاوزه من خلال دعم لا تمركز هذه الأراضي عبر تعزيز سياسة القرب التي تنهجها وزارة الداخلية و الرامية إلى تخويل مزيدا من المسؤولية للمستوى الترابي (ثانيا).

أولا: تقليص صلاحيات العمال مقابل هيمنة سلطة الوصاية

تشكل أراضي الجماعات السلالية رهانات اقتصادية و اجتماعية و قانونية و إدارية نظرا لامتدادها، و موقعها الجغرافي، و طبيعة استغلالها، و كذا إطارها القانوني. كما تعتبر احتياطيا عقاريا يساهم في تفعيل السياسات القطاعية الحكومية و تشجيع الاستثمار، و تكون كذلك أداة لخلق فرص شغل لذوي الحقوق و ضمان دخل قار لفائدتهم و إدماجهم في مسلسل التنمية البشرية.

إن التدبير الحالي لأراضي الجماعات السلالية من طرف الصالح المركزية للوصاية يتسم بنوع من الهيمنة و تمركز التدبير في مقابل تقليص اختصاص السادة العمال في هذا الشأن، الأمر الذي جعل من المصالح الإقليمية التابعة للسادة العمال لا تقوم بدور فعال على مستوى تدبير هذه الأراضي بالنظر لاختصاصها المحدود في ذلك، بحيث تكتفي بالقيام بالإجراءات المصاحبة والتدابير اللازمة لعمليات التصفية القانونية و تثمين و تسيير أراضي الجماعات السلالية، وموافاة مصالح سلطة الوصاية بالتقارير و الوثائق المكونة للملفات لاتخاذ القرارات الملائمة في ذلك.

كما أن النصوص القانونية التي تتسم بالمحدودية تارة و الغموض تارة أخرى في ضبط كل الجوانب المتعلقة بتدبير و استغلال أراضي الجماعات السلالية[40]، ساهمت في تعميق ضبابية و غموض اختصاص السادة العمال في تدبير هذه الأراضي. و قد عملت سلطات الوصاية من أجل معالجة هذه الإشكالية، على إصدار العديد من الدوريات و المناشير و الدلائل تتعلق بوضع مساطر و اختصاصات مضبوطة تهم تنظيم و تسيير شؤون الجماعات السلالية، إلا أن هذه الدوريات و المناشير و الدلائل لم تشكل مرجعية كافية لتدخلات مختلف الفاعلين بما فيهم السادة العمال، و لم تواكب بما فيه الكفاية التطورات الاجتماعية و الاقتصادية الحالية و الإكراهات الخارجية التي تجعل من اختصاص السادة العمال في هذا الشأن جد محدود وضيق بالمقارنة مع الاختصاص المخول لمؤسسة قانونية سماها المشرع مجلس الوصاية، و هي مؤسسة مشار لمكوناتها و صلاحياتها بمقتضى ظهير شريف[41]، و ليس بمقتضى دوريات و مناشير و دلائل.

ثانيا: دعم لا تمركز تدبير شؤون الجماعات السلالية

في إطار التوجه الذي تسعى إليه الحكومة المغربية في تقريب الإدارة من المواطن لاستكمال مسلسل اللاتمركز الإداري، و تحسين جودة عمل الإدارة المغربية، الأمر الذي حدى بوزارة الداخلية إلى تعزيز دور المصالح الإقليمية التابعة للسادة العمال في تدبير شؤون الجماعات السلالية، و من تنسيق شامل لجميع الإجراءات المتعلقة بتدبير و تنظيم الوصاية على هذه الجماعات.

إن نهج التدبير اللامتمركز لأراضي الجماعات السلالية، من شأنه أن يساهم في تكريس وتحسين تحقيق أهداف وصاية القرب، و النجاعة و تحويل المسؤوليات للمستوى الترابي و الرفع من جودة الخدمات المقدمة من جهة، و من جهة أخرى لتعزيز انخراطه في التوجهات الحكومية الرامية إلى لاتمركز المرافق العمومية، و دعم سياسات اللاتركيز و الجهوية المتقدمة[42].

و في هذا الإطار أصبح دور السادة العمال أكثر أهمية في تدبير ممتلكات الجماعات السلالية و تثمينها و جعلها قاطرة للتنمية البشرية و المحلية، لذا فدعم لاتمركز تدبير شؤون الجماعات السلالية على المستوى الإقليمي يعد توجها استراتيجيا لوزارة الداخلية سيتم تفعليه تدريجيا على امتداد ثلاث سنوات من تاريخ المصادقة عليه. و يهم في المرحلة الأولى بالأساس نقل الاختصاصات في مجالات التصفية القانونية و القضائية لأراضي الجماعات السلالية، وتثمينها، حيث تتكفل المصالح الإقليمية للسادة العمال بإعداد و تفعيل برامج العمل التي ستحظى في برمجتها العامة بموافقة مصالح الوصاية على الصعيد المركزي، باستثناء التدخلات المخولة لهذه الأخيرة على المستوى القانوني و التنظيمي، و كذا تلك المتعلقة بمجلس الوصاية و التي تتعلق بإجراءات التدبير التالية[43]:

بينما ستتكلف المصالح المركزية للوصاية بمهام التوجيه و التنظيم و التأطير من خلال المصادقة على البرمجة و التكوين المستمر و التتبع و التقييم و المراقبة و صلة الوصل مع مجلس الوصاية، و التي تتمثل فيما يلي[44]:

و من مجمل ما ستقوم به المصالح الإقليمية للسادة العمال في المجالات السابق ذكرها أعلاه، نذكر على سبيل المثال[45]:

و مما سبق، يبدو أن المصالح المركزية للوصاية عملت على تكريس نفس الصلاحيات المخولة للسادة العمال في تدبير شؤون الجماعات السلالية، فميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية الذي أصدرته وزارة الداخلية، لم ينقل صلاحيات مهمة للسادة العمال على المستوى الإقليمي بقدر ما عمل على توضيح صلاحياتهم التي كان يكتنفها نوع من الضبابية و الغموض. لذا فالملاحظ على أن سلطة الوصاية قامت بتحويل جزئي للاختصاص في مجالات التصفية القانونية و التثمين و المنازعات و ضبط العنصر البشري، فيما احتفظت لنفسها بصلاحيات مهمة خاصة فيما يخص المعاملات المالية و المصادقة على التفويتات و الأكرية و توزيع المدخرات…، الشيء الذي يفرغ ميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية من محتواه ومضمونه، بحيث يقوم السادة العمال بتفعيل التوجهات و تنفيذ برامج العمل المسطرة فقط.

إن نقل الصلاحيات في الجانب المالي من تدبير ممتلكات الجماعات السلالية، يعتبر جد مهم بالنسبة للسادة العمال لمعرفة كيفية برمجة و إنجاز المشاريع لفائدة الجماعات السلالية. لذلك فالتحويل الجزئي للاختصاصات الذي كرسه ميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية، ما هو في حقيقة الأمر إلا توضيح للاختصاص بين المصالح المركزية للوصاية و المصالح الإقليمية التابعة للسادة العمال على المستوى الإقليمي في تدبير شؤون الجماعات السلالية.

بالإضافة لذلك يجب أن يرافق هذا التحويل الجزئي للاختصاصات، تحديث في وسائل العمل عبر تمكين المصالح التابعة للسادة العمال من الوسائل اللوجستيكية الكافية للقيام بدورها في متابعة عملية التدبير، مع تعزيزها بالموارد البشرية اللازمة، و تقوية قدراتها بالتكوين المستمر وتحسين وسائل و أدوار العمل بدمج عمالات و أقاليم المملكة في النظام المعلوماتي المندمج لأراضي الجماعات السلالية، قصد تسريع وثيرة معالجة الملفات، و الرفع من مردودية الأداء الإداري و تحسينه.

الفقرة الثانية: حدود اختصاصات القواد

تطبع أراضي الجماعات السلالية سمة خاصة أنتجها التطور التاريخي لنمط تدبير شؤون الجماعات السلالية و  ممتلكاتها من قبل الفاعلين في هذا التدبير على المستوى المحلي لحقبة طويلة من الزمن جعلت مؤسسة القائد و جماعة النواب بين مد و جزر، و هو أمر يدفع للتساؤل حول العلاقة التي تجمع كل من هاتين المؤسستين (أولا)، قصد رصد و رسم حدود اختصاص السلطة المحلية في تدبير الأملاك الجماعية في علاقتها بالجماعة السلالية (ثانيا).

أولا: القائد و الجماعة السلالية علاقة تكامل أن تنافر؟

إيمانا بضرورة مواصلة عصرنة و تحديث آليات التدبير و الرفع من جودة الخدمات المقدمة للجماعات السلالية و لذوي الحقوق و جميع الشركاء عموما، شرعت المصالح المركزية للوصاية في ترسيخ سياسة لاتمركز تدبير أراضي الجماعات السلالية عبر تخويل المصالح الإقليمية للوصاية اختصاصات مهمة في مجال تدبير شؤون الجماعات السلالية و ممتلكاتها.

قصد تكريس ثقافة القرب و الفعالية و النجاعة في مجمل ميادين تدخلاتها. فالوصاية التي يمارسها السادة العمال على الجماعات السلالية على مستوى النصوص القانونية و التنظيمية المؤطرة للأملاك الجماعية، يباشرها السادة القواد بشكل فعلي على مستوى  الواقع، بحكم علاقة القرب التي تجمع القائد بجماعة النواب و ذوي الحقوق، و بالاحتكاك المباشر الفعلي بما تثيره هذه الأملاك من مشاكل و إشكاليات تستعصي أحيانا عن إيجاد حلول لها، الأمر الذي يجعل من القائد و الجماعة السلالية يدخلان في علاقة متوثرة أقل ما يقال عنها أنها علاقة تنافر.

من الوهلة الأولى، يتبين أن هذا الحكم هو حكم قيمة و لا أساس له من الصحة، بحيث أن اختصاص القائد في تدبير أملاك الجماعة السلالية، ليس هو اختصاص نواب الجماعة في هذا الشأن، استثناءا للنصوص القانونية المؤطرة لأراضي الجماعات السلالية[46]، بحيث عدم وضوح هذه الأخيرة في بعض الأحيان، و قصورها و جمودها في أحيان أخرى، يجعل من علاقة القائد بالجماعة السلالية غير مفهومة و غير واضحة المعالم و الحدود، ما يجعل المتتبع لهذه الأراضي في حيرة و أمام ضبابية صورة تتسم بتنازع الاختصاص بين القائد و الجماعة السلالية.

لقد أوضحت سابقا، أن السلطة المحلية هي جوهر كل تدبير يهم شؤون الجماعات السلالية وممتلكاتها، نظرا لإلمامها بالنصوص القانونية و التنظيمية المؤطرة لهذا النوع من الرصيد العقاري في المغرب، و لقربها من مؤسسة جماعة النواب و لما يقع على مستوى الممارسة العملية، فهي إذن في قلب كل تدبير كيفما كان نوعه، ما يجعل من اختصاصات رجل السلطة المحلية ذات حساسية شديدة تتقاطع في الغالب من الأحيان مع اختصاصات جماعة النواب، الأمر الذي يربك و يختلط على المتتبع لملف أراضي الجماعات السلالية، ما يدفعه لإصدار حكم قيمة بتنازع الاختصاص أو تضاربه، بل يجعل من السلطة المحلية سلطة حلول، تحل محل جماعة النواب في مباشر اختصاصاتها[47].

إن من بين جملة ما يجعل المتتبع لملف أراضي الجماعات السلالية يطلق مثل هذا الحكم، قصور و غموض النصوص القانونية و التنظيمية المؤطرة لهذه الأراضي إلى جانب الوضعية المعقدة التي تتسم بها، و المتمثلة في كونها رصيد عقاري غير متجانس وذو مردودية ضعيفة، بالإضافة إلى النزاعات المتفشية بين ذوي الحقوق أنفسهم، و التي تسجل ارتفاعا  مهولا  يتسبب في تقسيم العقارات نتيجة إجراء القسمة المنفعية بين الورثة.

لذلك، فهذه من بين الأسباب التي تجعل المتتبع في مفترق الطرق لا يعرف الجهة صاحبة الاختصاص في تدبير شؤون الجماعات السلالية، و لا يدرك جوهر العلاقة التكاملية التي تربط القائد بالجماعة السلالية، فهو تكامل بين النص القانوني و الممارسة، بحيث أن القائد له دراية وإلمام بالنصوص القانونية و التنظيمية المؤطرة للجماعات السلالية و أملاكها، بينما الهيآت النيابية تملك الخبرة و المعرفة الحقيقية للعقارات و للعادات و الأعراف المحلية التي تنظم استعمال و استغلال تلك العقارات التي ليس للقائد علم بها، خاصة و إن كان القائد ليس ابن المنطقة.

و العكس صحيح، فالهيآت النيابية تعوزها في الكثير من الأحيان الإلمام بالجانب القانوني، خاصة و أن هذه الأملاك تنظمها العديد من النصوص القانونية المتنوعة و المختلفة، يصعب على هذه الهيأت الإلمام بها و معرفتها. ما يجعل من القائد يعتمد على التراكم التجريبي و الممارسة الميدانية للهيآت النيابية في التأطير و الإشراف على هذه الأخيرة في تدبير شؤونها وفق النص القانوني و المساطر المعمول بها. لتصبح الجماعة السلالية مصدرا للقائد في التدبير و العكس صحيح، ما يحتم على المؤسستين الدخول في علاقة تكاملية للدفع بعجلة التنمية البشرية للجماعة السلالية و أعضائها.

و تأسيسا على ما سبق، فكل من المؤسستين مدعوتين إلى انفتاح كل مؤسسة على الأخرى، و على المحيط الخارجي لهما من خلال خلق قنوات للحوار بينهما و بين ذوي الحقوق ومؤسسات المجتمع المدني، و تقوية آليات التنسيق بينهما بشكل يضمن حماية الأملاك الجماعية و صيانتها ويسمح بتنمية الجماعة السلالية، بالإضافة إلى إذكاء و ترسيخ روح التعاون بين المؤسستين، ومع الشركاء و يشكل أساسي ذوي الحقوق و الفاعلين في تدبير الأملاك الجماعية، قصد تفادي إشكالية تنازع الاختصاص، و إجلاء الضبابية التي تسود علاقة القائد بالجماعة السلالية و جعلها أكثر تكاملا.

ثانيا: حدود مساعدة السلطة المحلية للجماعة السلالية في تدبير شؤونها

أمام الغموض و الضبابية التي تسود اختصاص السلطة المحلية في تدبير الأملاك الجماعية، و تقاطعها في كثير من الأحيان مع اختصاصات الهيآت النيابية. الأمر الذي يفرض رسم معالم واضحة لحدود اختصاص السلطة المحلية في هذا الخصوص، قصد إنارة الطريق للمتتبعين و المهتمين بتدبير أراضي الجماعات السلالية.

و عليه، يعتبر تأطير و إشراف السلطة المحلية على الهيآت النيابية في تدبير شؤون الجماعات السلالية، و مساعدتها في إيجاد الحلول لكل الصعوبات التي تعترضها في هذا الشأن، إضافة إلى تنفيذ مقرراتها عند الاقتضاء و بطلب منها، من التدابير التي تقوم بها السلطة المحلية على هذا المستوى[48]. و هي تدابير يمكن أن تتسع أو تضيق حسب العرف و العادات السائدة في كل منطقة لغياب نص قانوني واضح يحدد بشكل دقيق اختصاصاتها في ذلك، مما يجعل منها تتخذ بعض القرارات التي تكون محل طعن في ظل تقاطع اختصاصاتها  مع اختصاصات الجماعة النيابية، خاصة و أن السلطة المحلية غير مخول لها اتخاذ أي قرار أو تنفيذه محل الجماعة النيابية خصوصا في الشق المتعلق بفض النزاعات بين ذوي الحقوق غير التدابير المشار إليها سابقا.

إن اختصاص السلطة المحلية في الشق المتعلق بفض المنازعات بين ذوي الحقوق، ينحصر في القيام بمسطرة الصلح و إيجاد صيغ للتصالح بين الأطراف المتنازعة دون اللجوء إلى مجلس الوصاية أو القضاء، بحيث في حالة تسوية النزاع من طرف نواب الجماعة في أية مرحلة من مراحل النزاع و موافقة جميع الأطراف المتنازعة و نواب الجماعة، يجب عليه تحرير محضر في ذلك موقع من طرفهم و توجيه نسخة منه لمصالح الوصاية قصد الإخبار[49]، وهو ما يستفاد من حكم المحكمة الإدارية بأكادير عدد 277[50] الذي قضى برفض الدعوى موضوعا على اعتبار أن قيام السلطة المحلية “بتحرير محاضر بشأن الشكايات المقدمة إليها من طرف أعضاء الجماعة السلالية ضد المدعي إنما يدخل في صميم اختصاصاتها و لا يمكن اعتبار ذلك خطأ من جانبها طالما أن المدعي لم يثبت أي تجاوز أو خرق من طرفها للمقتضيات القانونية”. أما إذا اتخذت السلطة المحلية قرارا من اختصاص الجماعة النيابية في فض النزاعات المتعلقة بالانتفاع أو التقسيم أو غيره، فيعد خارجا عن دائرة اختصاصها و تجاوزا في استعمال السلطة ومشوبا بعيب الاختصاص و مخالفة القانون.

و هو ما يستفاد من الحكم رقم 189/2006[51] للمحكمة الإدارية بأكادير حينما ألغت قرار القائد الإداري لأمسمرير بإقليم ورززات القاضي بإلغاء و سحب قرار الجماعة السلالية لجماعة أمسمرير بمنح استفادة المدعى من استغلال بقع أرضية. و قضت المحكمة في إحدى حيثيات الحكم “و حيث اعتبر القائد الإداري بأن قراره يعد بمثابة سحب للقرار الإداري الصادر عن المجلس النيابي للجماعة السلالية، و ذلك بعد أن تبث له عدم مشروعية ذلك القرار.

و حيث أنه لا يجوز سحب القرارات الإدارية إلا من طرف السلطة التي أصدرتها و ذلك وفق شكليات و داخل أجل قاتوني على أن يثبت لهذه السلطة عدم مشروعية هذا القرار اعتبارا لكون القرارات الإدارية الصحيحة المتفقة مع أحكام القانون و التي تترتب عنها مراكز قانونية لذوي الشأن و تخولهم حقوقا مكتسبة لا يجوز لأي سلطة إدارية المساس بها.

و حيث إن القرار الأول صدر عن جهة إدارية أخرى هي المجلس النيابي و يدعي مصدر القرار المطعون فيه أنه بمثابة سحب له دون أن يكون مختصا بذلك، و بالتالي فإن صنيعه هذا يجعل القرار معيبا بعدم الاختصاص و يكون بذلك منحرفا و مشوبا بتجاوز السلطة، مما يؤدي به إلى الإلغاء.

و حيث إن القائد الإداري لأمسمرير بإصداره للقرار موضوع الطعن بدون وجه حق لكونه غير مختص أولا في سحب قرارات صادرة عن جهة أخرى كما أنه إجراء ليس في محله مادام أن بإمكانه الطعن في قرارات المجلس النيابي أمام مجلس الوصاية، و بالتالي فإن قراره كان معيبا و مشوبا بتجاوز السلطة، و يتعين بالتالي التصريح بإلغائه طبقا للمادة 20 من قانون 41/90”[52].

إن ما يلاحظ على مستوى هذا الحكم أن قائد قيادة أمسمرير لم يسلك الطريق القانوني المنتج لكي يقوم بإبطال قرار المجلس النيابي متى تبين له بأنه غير مشروع وفق شكليات محددة و داخل الأجل القانوني المحدد، و إلا سيصبح قرار المجلس النيابي محصنا بقوة القانون، لذا فملاحظة القائد لوجود إخلال أو عيب في القرار الصادر عن المجلس النيابي، لا يعطيها الحق في سحب القرار و إنما له أن يطعن فيه بالاستئناف أمام مجلس الوصاية طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الرابع من ظهير 27 أبريل 1919 المتعلق بتنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات و ضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية و تفويتها، لكونها المعنية و المختصة نوعيا بهذا القرار.

و هو الأمر الذي أكدته نفس المحكمة في حكمها رقم 188/2008[53] حينما أكد على أن “قرار الجماعة النيابية صدر عن جهة إدارية خول لها القانون حق إصدار القرارات لضبط شؤون الأراضي الجماعية و وجود عيب أو اختلال في القرار المذكور يخول للسلطة المحلية إمكانية الطعن في القرار المذكور أمام مجلس الوصاية و لا يحق لها اتخاذ قرار بسحب نفس القرار لأن القانون لم يمنح لها الاختصاص بإلغاء القرارات الصادرة عن الجماعات النيابية”.

أما فيما يخص الشق المتعلق بتنفيذ قرارات الهيآت النيابية أو مجلس الوصاية فإن السلطة المحلية مخول لها اختصاص التنفيذ حسب مقتضيات النصوص القانونية و التنظيمية المؤطرة لأراضي الجماعات السلالية، لكن شريطة أن تطلب منها هذه الهيآت ذلك، عند عجزها عن التنفيذ أو عند الاقتضاء لما تتوفر عليه من قوة عمومية تجبر المنفذ عليه من التنفيذ، لذا فإن الخروج عن هذه المقتضيات يعد تجاوزا في استعمال السلطة و متسما بعيب الاختصاص و مخالفة القانون.

و هو الأمر المستفاد من الحكم رقم 413/2013[54] للمحكمة الإدارية بأكادير حينما قضت بإلغاء القرار الإداري الصادر عن قائد قيادة سيدي بيبي بإقليم اشتوكة آيت باها بتنفيذ قرار الجماعة النيابية لآيت عميرة سيدي بيبي عدد 18/07 المؤرخ في 24/07/2007 موضوع محضر التنفيذ المؤرخ في 10/04/2012 مع ما يترتب على ذلك قانونا، و ذلك عندما “أسس المدعي دعواه على أن قائد قيادة سيدي بيبي لم يقم بتنفيذ قرار مجلس الوصاية عدد 04و03/2011 المطلوب تنفيذه من طرف الطاعنين و قيامه بدلا من ذلك بتنفيذ قرار الجماعة النيابية عدد 18/07 الصادر بتاريخ 24/07/2007، رغم أنه قرار غير نهائي و ثم الطعن فيه بالاستئناف و لم يتم البت فيه بعد من طرف مجلس الوصاية.

و حيث إن الثابت من وثائق الملف أن النزاع يتعلق بعدم اتخاذ قائد قيادة سيدي بيبي للإجراءات اللازمة لتنفيذ قرار مجلس الوصاية المشار إليه أعلاه، و الذي قضى بإلغاء القرار النيابي الصادر عن المجلس النيابي للجماعة السلالية آيت عميرة سيدي بيبي بتاريخ 09/05/2008 و بإجراء القسمة المنفعية بين جميع ورثة الهالك امبارك بن بوجمعة المكيطع ذكورا و إناثا في العقار الجماعي المسمى (الحوش).

و حيث إن قرار قائد سيدي بيبي بعدم تنفيذ قرار مجلس الوصاية عدد 04و03/2011 المطلوب تنفيذه و قيامه بتنفيذ قرار الجماعة النيابية لآيت عميرة سيدي بيبي عدد 18/07 الصادر بتاريخ 24/07/2007 رغم كونه قرارا غير نهائي، و تم الطعن فيه بالاستئناف من طرف الطاعنين حسب الثابت من أوراق الملف و لم يتم البت فيه بعد من طرف مجلس الوصاية يعتبر قرارا إداريا مشوبا بعيب مخالفة القانون و الاختصاص و متسما بالتجاوز في استعمال السلطة”[55].

يلاحظ من خلال هذا الحكم أن قائد قيادة سيدي بيبي أولا، قام بتنفيذ قرار المجلس النيابي بالرغم من كونه قرار غير نهائي، و مطعون فيه بالاستئناف أمام مجلس الوصاية من قبل الطاعنين، و قضى هذا الأخير بإلغاء قرار المجلس النيابي بإجراء قسمة نفعية بين جميع الورثة. و هو أمر غير مستساغ لكونه متسما بالتجاوز في استعمال السلطة و مشوبا بعيب مخالفة القانون و الاختصاص، كما يعتبر تحقيرا لمقرر مجلس الوصاية القاضي بإلغاء قرار المجلس النيابي وبإجراء قسمة نفعية بين جميع الورثة.

ثانيا، إن علاقة القائد بالجماعة النيابية تصطبغ بصبغة الوصاية الإدارية[56]، و على مقتضى ذلك ليس له الحق أن يحل محلها في القيام بتنفيذ قرار مجلس الوصاية، طالما لم ترخص له الجماعة النيابية بذلك، حيث كان على المجلس النيابي أن ينفذ مضامين قرار مجلس الوصاية، لما له من اختصاص أصيل في تنفيذ قرارات مجلس الوصاية دون غيره، اللهم إذا اقتضى الأمر أن تفوض للقائد ذلك، لكنه لم يحترم قرار الوصاية و سلك مسلكا آخر غير مجدي جعل من قراره بتنفيذ قرار المجلس النيابي غير مرتكز على أساس قانوني سليم و تعين معه الحكم بإلغائه من قبل المحكمة السالفة الذكر.

و تأسيسا على ما سبق، فالضرورة أصبحت تفرض على المشرع التدخل لإجلاء اللبس والغموض الذي يكتنف اختصاص السلطة المحلية في تدبير الأملاك الجماعية، بإصدار نص قانوني صلب و واضح يبين اختصاص كل من النواب و السلطة المحلية حتى لا يكون هناك أي تقاطع أو تداخل بين الاختصاصين.

خاتمة

إن اتسام اختصاص رجال السلطة في تدبير أراضي الجماعات السلالية بالضبابية و عدم الوضوح و التنازع في كثير من الأحيان مع اختصاصات جهات أخرى، مرده أولا إلى كثرة النصوص القانونية و التنظيمية و تشعبها، ثم غموضها و قدمها و عدم دقتها و مسايرتها للتحولات الاجتماعية و الاقتصادية للبلاد. بالإضافة إلى صحوة ذوي الحقوق الذي أصبحوا يطالبون بحقهم في الحصول على المعلومة، و المشاركة في اتخاذ القرار في ما يملكون. و هي تحولات تقتضي مواكبتها على المستوى الترابي بمزيد من الانفتاح و الانصات و التفاعل مع قضايا الجماعات السلالية.

و إلى حين تدخل المشرع بوضع إطار قانوني يحكم هذه الأراضي بشكل يساير التحولات التي عرفتها البلاد و يوازن بين متغيرين أولهما، المحافظة على التوازنات و السلم الاجتماعي القائمين في المجتمع القروي و عدم زعزعت الرابط السيكولوجي لذوي الحقوق مع الأرض، وثانيهما صون هوية و موروث ثقافي يجب إدماجه في مسلسل التنمية، فإنه يتعين الأخذ بالاعتبار ضرورة إجلاء اللبس و الغموض الذي يكتنف اختصاص رجال السلطة في تدبير الحياة العامة للجماعات السلالية و ممتلكاتها، و تفادي تضخمها و محاربة تنضيدها، و العمل على أن تكون فعالة وشاملة بأن يكون هذا الاختصاص مبني على نص قانوني صلب و واضح بدل الاعتماد على الدوريات و المناشير في إسناد بعض الاختصاصات.

إن ضمان تدبير جيد للجماعات السلالية و ممتلكاتها بناء على مقومات الحكامة الترابية يعد رافدا أساسيا و محوريا للاستقرار الاجتماعي و الاقتصادي لأعضاءها، و هو ما يحتم العمل على تمكين رجال السلطة من اختصاصات واضحة للنهوض بدور هذه الجماعات في التنمية الاجتماعية و الاقتصادية للبلاد.

[1] يقصد بالأراضي الجماعية تلك الأراضي التي تشغل و تستغل بطريقة مشتركة و جماعية من طرف مجموعة من الأفراد أو القبيلة على وجه الانتفاع فيما يظل حق رقبتها بيد الدولة، و هي ذات مصدر تاريخي موغل في القدم.

ـ انظر عبد الرحمان بن عمرو، القوانين المنظمة لأراضي الجماعات و الكيش و الأوقاف، مجلة المحاماة، العدد 14، السنة 12، يناير ـ مارس 1979، ص 71.

-Voir Paul Decroux, Droit Foncier Marocain, Tome 3, Edition la Porte, Rabat, 1972, p 438.

[2] يقصد بأراضي النايبة الأراضي التي تشغل جماعيا من طرف أفراد أو قبيلة معينة، سلمها السلطان لأفراد الجماعة قصد التصرف فيها و تبقى ملكيتها للدولة و يؤدي مستغلوها ضريبة جماعية لبيت المال، و نظرا لتقاعس مستغلي أراضي النايبة عن أداء تلك الضرائب أو الخراج فإن هذا الشكل من الاستغلال اندثر بشكل تدريجي و تحول لأراضي سلالية.

ـ انظر عبد الوهاب رافع، أراضي الجموع بين التنظيم و الوصاية، المطبعة و الوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى 1999، ص 8.

ـ حسن القصاب، تكييف الحق في أراضي الجموع، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة أملاك الدولة، العدد 2، 2013، ص 146.

[3]الكيش أو الجيش مصطلح يطلق عادة في المغرب على القوات المسلحة للسلطان، حيث لم يكن سلاطين المغرب يتوفرون على جيش نظامي بل كانت هناك قبائل محاربة يستعين بها السلطان مقابل منحهم امتيازا على بعض الأراضي بمعنى أنه كان يعطي لهذه القبائل حق المنفعة بينما يحتفظ السلطان بحق الرقبة، لذا الجيش لم يكن يعني مجرد قوة عسكرية للسلطان بل أيضا شكلا من أشكال استغلال الأرض، و بالتالي فهي أراضي يقتطعها السلطان لإحدى القبائل أو العشائر مقابل خدماتها العسكرية، وذلك بقصد استغلالها و الانتفاع بها على وجه الشياع بدون مقابل أو أداء الضرائب، غير أنه إذا انقطعت هذه القبائل أو العشائر عن الخدمة العسكرية فإنها تتمتع بحق الانتفاع و الاستغلال بمقابل مالي، و تدخل آنذاك في عداد أراضي النايبة.

ـ انظر محمد مومن، أملاك الجماعات السلالية و أراضي الجيش، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة المعارف القانونية و القضائية، الإصدار 23ـ2014، ص 165.

ـ محمد معترف، نظام الجيش بالمغرب، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة أملاك الدولة، العدد 2، 2013، ص 128.

[4]انظر مأمون الكزبري، التحفيظ العقاري و الحقوق العينية التبعية في ضوء التشريع المغربي، الجزء الأول، مطبعة شركة الهلال العربية، الطبعة الثانية، الرباط 1987، ص 136.

ـAlbert Guillaume, la Propriété Collective au Maroc, Edition la Porte, Rabat, 1960, p 4.

-Louis Milliot, les Terres collectives : étude de législation marocaine, edition le Roux, Paris, 1922, P 310.

-Paul Decroux, op.cite, p 463.

[5]Circulaire du Grand-vizir aux Gouverneurs, Caids et Cadis, Bulletin Official, Edition Francaise, Premiere Année N° 1, du 1 November 1912, p 6.

[6]Négib Bouderbala, Les Terres Collectives du Maroc dans la Première Période du Protectorat (1912-1930), in Revue du monde musulman et de la méditerranée, N° 79-80, 1996, p 144.

[7]يوسف القسطاسي، المشكل القانوني لأراضي الجموع و أثره على البنية الاجتماعية في المغرب، مرجع سابق، ص 150.

[8] دورية عدد 4910 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 7 ديسمبر 2009، حول تعيين ملفات نواب الجماعات الأصلية.

[9] دورية عدد 70 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 28 نونبر 2012، بشأن مؤسسة نائب الجماعة السلالية.

[10] دورية عدد 23 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 25 مارس 2008، حول دليل نائب الجماعة السلالية.

[11] دورية عدد 70، مرجع سابق.

[12] دورية عدد 30 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 27 يونيو 2011، بشأن مؤسسة نائب الجماعة السلالية.

[13] دليل كراء الأراضي الجماعية، وزارة الداخلية، مديرية الشؤون القروية، شتنبر 2012، ص 10.

[14] نفس المرجع أعلاه، ص 18.

[15] منشور رقم 4475 الصادر عن وزير الداخلية، بتاريخ 13 يوليوز 2004، حول العمليات العقارية المراد إنجازها فوق وعاء عقاري تابع للجماعات السلالية.

[16] دورية رقم 42 الصادر عن وزير الداخلية، بتاريخ 24 غشت 2010، حول تفويت الأراضي التابعة للجماعات السلالية.

[17] دورية رقم 359 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 28 يناير 2011، حول تعزيز مسلسل إنجاز المشاريع لفائدة الجماعات السلالية.

[18] دورية رقم 81 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 17 شتنبر2008، حول اتفاقية الدعم القضائي لفائدة الجماعات السلالية.

[19] دورية رقم 6 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 4 فبراير 2011، المتعلقة بإحصاء و تحيين مطالب التحفيظ الجماعية.

[20] دورية رقم 2729، الصادر عن وزير الداخلية، بتاريخ 7 غشت 2007، حول عمليات تحديد مطالب جماعية.

[21] دورية رقم 123 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 10 نونبر 2006، حول إعداد مسطرة الشواهد الإدارية التي تنفي الصبغة الجماعية على العقارات.

[22] نور الدين الصبار، منح شهادة عدم الصبغة الجماعية ذات الصبغة الجماعية ذات الصلة بأراضي الجموع، دراسة لطبيعة القرار الإداري و حدود سلطات قاضي الإلغاء في ضوء حكم للمحكمة الإدارية بأكادير، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة أملاك الدولة، العدد 2، 2013، ص 67.

[23] دورية رقم 35 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 14 يوليوز 2010، بشأن النزاعات العقارية بين الجماعات السلالية.

[24] نفس المرجع أعلاه.

[25] عبد الحميد المودن، الوضعية القانونية لأراضي الجماعات السلالية بالمغرب، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية طنجة، السنة الجامعية 2011 ـ 2012، ص 30.

[26] دليل نائب الأراضي الجماعية، وزارة الداخلية، مديرية الشؤون القروية، مارس 2008، ص 4 و ما بعدها.

[27] عبد الوهاب رافع، أراضي الجموع بين التنظيم و الوصاية، المطبعة و الوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى 1999، ص 26.

[28] دورية رقم 16 الصادرة عن وزير الداخلية بتاريخ 16 مارس 2012، حول حماية الأراضي التابعة للجماعات السلالية من ظاهرة الترامي و تنامي البناء العشوائي.

[29] عبد الحميد المودن، مرجع سابق، ص 31.

[30] دورية رقم 667 الصادر عن وزير الداخلية، بتاريخ 24 مارس 1971، بشأن التحفيظ العقاري.

[31] منشور رقم 937 الصادر عن وزير الداخلية، بتاريخ 15 أبريل 1953، بشأن النزاعات المتعلقة بالتحديدات الإدارية و تحفيظ الأراضي الجماعية.

[32] زهير كريمات، خصوصيات المنازعات العقارية المتعلقة بأراضي الجموع و انعكاساتها على الاستثمار، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 2013/2014، ص 44.

[33] دليل كراء الأراضي الجماعية، مرجع سابق، ص 14 و ما بعدها.

[34] محمد الحضراتي، منازعات أراضي الجموع بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ظهر المهراز فاس، السنة الجامعية 2007/2008، ص 28.

[35] دورية رقم 23 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 8 مارس 2007، حول إعداد و تهيئ الملفات المتعلقة بالقضايا المعروضة على أنظار الهيآت النيابية أو مجلس الوصاية.

[36] دورية رقم 123 الصادر عن وزير الداخلية، بتاريخ 10 نونبر 2006، حول إعداد مسطرة الشواهد الإدارية التي تنفي الصبغة الجماعية على العقارات.

[37] محمد الحضراتي، مرجع سابق، ص 28.

[38] دورية رقم 23، مرجع سابق.

[39] محمد الشافعي، أراضي الجموع و الكيش في الاجتهاد القضائي و العمل الإداري، المطبعة و الوراقة الوطنية، سلسلة البحوث القانونية، عدد 23، الطبعة الأولى، مراكش، 2013، ص 35.

[40] عبد الوهاب رافع، أراضي الجموع بين التنظيم و الوصاية، مرجع سابق، ص 80.

[41] الحسين بن عبد السلام الملكي، أراضي الجماعات السلالية و جماعات القبائل بين الأنظمة القانونية و الأحكام العرفية، الجزء الأول، مطبعة بروموب (ش.م.م)، الرباط، 2011، ص 275.

[42] ميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية، وزارة الداخلية، مديرية الشؤون القروية، غشت 2012، ص 10.

[43] ميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية، مرجع سابق، ص 10.

[44] نفس المرجع أعلاه، ص 18 و ما بعدها.

[45] ميثاق لاتمركز تدبير الأراضي الجماعية، مرجع سابق، ص 11 و ما بعدها.

[46] عبد الوهاب رافع، أرضي الجموع بين التنظيم و الوصاية، مرجع سابق، ص 36.

[47] محمد قصري، إشكالات تطبيق الظهير المنظم لأراضي الجموع، منشورات مجلة الحقوق المغربية، سلسلة الأنظمة و المنازعات العقارية، الإصدار الأول، الطبعة الثانية، 2012، ص 71.

[48] زهير كريمات، مرجع سابق، ص 45.

[49] دورية 23 الصادرة عن وزير الداخلية، بتاريخ 8 مارس 2007، حول إعداد و تهييئ الملفات المتعلقة بالقضايا المعروضة على أنظار الهيئات النيابية أو مجلس الوصاية.

[50]حكم المحكمة الإدارية بأكادير رقم 277/2010، بتاريخ 28/04/2010، في الملف عدد 755/2007ش، قضية السيد شريف محمد بن سعيد ضد الجماعة السلالية لتاسيلا و من معها، غير منشور.

[51] حكم المحكمة الإدارية بأكادير رقم 189/2006، بتاريخ 19/10/2006، في الملف عدد 034/2006غ، قضية السيد محمد الشمسي ضد قائد قيادة أمسمرير، غير منشور.

[52] نفس المرجع أعلاه.

[53] حكم المحكمة الإدارية بأكادير رقم 188/2008، بتاريخ 19/06/2008، في الملف عدد 130/2008غ، قضية السيد محمد الشمسي ضد قائد قيادة أمسمرير، غير منشور.

[54] الحكم رقم 413/2013، في ملف عدد 116/7112/2013، الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير، بتاريخ 04/04/2013، بين السيدة جميعة المكيطع و من معها ضد السيد قائد قيادة سيدي بيبي، غير منشور.

[55] نفس المرجع أعلاه.

[56] القرار عدد 27، الصادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، بتاريخ 12/06/1970، بين السيد الهواري رمضان ضد السيد وزير الداخلية، منشور بمجلة القضاء و القانون، منشورات وزارة العدل، العدد 118، السنة الثانية عشرة، ص 449.

Exit mobile version